وانقطعت أخباره إلى حدّ الآن، بعد أن كان ضمن وفد المنتخب العائد من الألعاب المتوسطية بتارانتو. وقد تم إعلام أمن المطار والجامعة ووزارة الشباب والرياضة، ونحن الآن، بطبيعة الحال، في انتظار التقرير المفصل عن ملابسات الحادثة.
والله يا جماعة، حتى الكرة الحديدية ما عادش لعبها في تونس ساهل! اللاعب ذهب إلى إيطاليا للمشاركة في ألعاب البحر المتوسط، ولم نسمع عنه ميدالية ذهبية ولا فضية ولا برونزية، وإنما سمعنا عن إنجاز من نوع آخر: ذهب اللاعب… ولم يعد! وكأنّ المشاركة التونسية لم تكن في الكرة الحديدية فقط، بل كانت أيضًا في بطولة عالمية مفتوحة لاختبار قدرة الوفود على معرفة أين يوجد أفرادها! المفارقة أنّ الرياضة التي يمارسها أمين السعيدي هي الكرة الحديدية، وهي رياضة تقوم في جوهرها على الدقة، والتركيز، وحساب المسافات، ومعرفة أين ستسقط الكرة وأين يجب أن تتوقف. يعني الرجل اختصاصه أن يعرف بالضبط أين توجد الكرة، فإذا بنا نعيش الآن السؤال المعاكس تمامًا: أين يوجد اللاعب؟
يا لها من مفارقة فلسفية عظيمة! لاعب كرة حديدية قضى عمره يتدرّب على تحديد موقع الكرة، فإذا جاءت لحظة العودة إلى الوطن أصبح هو نفسه «الكرة» التي تبحث عنها الأجهزة والسلطات والجامعة والوفد! الفرق الوحيد أنّ الكرة عادةً لا تحتاج إلى جواز سفر ولا إلى بطاقة صعود ولا إلى مراقبة أمنية في المطار! ومطار روما تحديدًا ليس زقاقًا في حومة شعبية، وليس سوقًا أسبوعية يمكن أن تقول فيها لأحدهم: «إذا لقيت أمين قلّه يستناني». نحن نتحدث عن مطار دولي، فيه كاميرات، وأمن، ونقاط مراقبة، وبوابات، وشاشات، ومسارات، وإجراءات، ومسافرين بالملايين. ومع ذلك، وفق المعطيات المنشورة، أصبح لدينا لاعب تونسي داخل هذا الفضاء الهائل، ثم أصبح السؤال الوطني: وين مشى أمين؟
وهنا تبدأ الكوميديا السوداء
لأن السيناريو التونسي المعتاد يبدأ دائمًا بعد وقوع المشكلة. لا أحد يعرف ماذا حدث في البداية، ثم يبدأ الاتصال، ثم الإعلام، ثم البحث، ثم إعلام الجهات المعنية، ثم انتظار المعطيات، ثم انتظار التقرير، ثم انتظار التقرير المفصل، ثم انتظار ما سيقوله التقرير عن التقرير! وفي النهاية، يمكن أن يصبح لدينا ملف كامل عن اختفاء لاعب، بينما اللاعب نفسه قد يكون في مكان ما يتساءل: «ياخي علاش عاملين عليّ كل الضجة هاذي؟»
أنا أخشى فقط أن تتحول الحكاية إلى ملحمة إدارية تونسية من النوع الذي يبدأ بعبارة: «تم تكوين لجنة للتحقيق في ملابسات اختفاء اللاعب»، ثم بعد أسابيع يتم تكوين لجنة أخرى للنظر في أعمال اللجنة الأولى، وبعد أشهر يظهر لنا تقرير يقول إن اللجنة الأولى لم تتمكن من تحديد المسؤوليات بسبب «غياب المعطيات الكافية»، ثم نكتشف بعد ذلك أن المعطيات كانت موجودة، لكنها كانت تنتظر مراسلة رسمية للحصول عليها! وهذه هي عبقرية البيروقراطية عندنا: المشكلة قد تختفي، لكن الورق لا يختفي أبدًا. الإنسان يمكن أن يضيع، والكرة يمكن أن تضيع، والماء يمكن أن يضيع، والكهرباء يمكن أن تضيع، والدواء يمكن أن يضيع، لكن المراسلة الإدارية تجد طريقها دائمًا!
والأجمل أنّنا أصبحنا نعيش في عصر يستطيع فيه هاتف صغير في جيبك أن يخبرك بمكانك بالضبط، وأن يحدد موقع السيارة، وأن يرسم لك الطريق إلى أقرب مطعم، وأن يخبرك أين يوجد شخص تتصل به… لكن عندما يتعلق الأمر بوفد رياضي تونسي، يمكن أن ندخل فجأة في عصر ما قبل اختراع البوصلة: «آخر مرة شافوه وين؟»
وقد يقول قائل: «استنّاو، يمكن الرجل عنده أسبابه، ويمكن الحكاية سوء تفاهم، ويمكن ثمّة تفاصيل مازالت ما خرجتش». وهذا صحيح. ولا يجوز أن نحاكم الرجل أو نفترض شيئًا قبل ظهور الحقيقة.
بل إنّ احترام أمين السعيدي وعائلته يقتضي أن نترك التحقيق يكشف التفاصيل. لكن هذا لا يمنع من طرح السؤال الأهم: كيف يتم تنظيم وفد وطني مسافر إلى الخارج؟ ومن المسؤول عن متابعة أفراده أثناء التنقل والعودة؟
لأن المنتخب الوطني ليس مجموعة أصدقاء خرجوا في رحلة سياحية إلى إيطاليا. هؤلاء يمثلون تونس، ويسافرون تحت راية الدولة، ضمن وفد رياضي رسمي، وبالتالي فإن سلامة كل فرد منهم ليست تفصيلًا صغيرًا يمكن أن نضعه في آخر الصفحة تحت عنوان «الأخبار».
شيء آخر أكثر سخرية
نحن بلد أصبح المواطن فيه يتدرّب يوميًا على البحث عن الأشياء. يبحث عن الماء، يبحث عن الحليب، يبحث عن الدواء، يبحث عن البنزين، يبحث عن النقل، يبحث عن الكهرباء… واليوم دخلنا مرحلة جديدة: نبحث عن لاعب كرة حديدية! وكأنّ الحياة اليومية في تونس تحولت إلى لعبة «البحث عن المفقود». تفتح عينيك صباحًا ولا تعرف ماذا ستبحث عنه اليوم. ربما عن خبزة، ربما عن قارورة ماء، ربما عن مادة أساسية، وربما عن لاعب مشارك في ألعاب البحر المتوسط!
والمواطن التونسي، من شدة ما تعوّد على المفاجآت، لم يعد يسأل: «كيفاش صار هذا؟» وإنما أصبح يسأل السؤال الأكثر واقعية: «شنوة الحاجة الجاية اللي باش تختفي؟»
لكن بعيدًا عن السخرية، ثمّة سؤال يجب أن يكون أكثر جدية من كل النكات: من يتحمل المسؤولية التنظيمية عن هذا الوفد؟ هل كانت هناك قائمة دقيقة بكل أفراد البعثة؟ هل تم التأكد من صعود الجميع إلى الطائرة؟ هل تم القيام بإحصاء عند المغادرة والوصول؟ هل توجد إجراءات واضحة للتعامل مع أي عضو يتخلف عن المجموعة؟ وهل تم التحرك فور اكتشاف غياب اللاعب؟
هذه ليست أسئلة للشماتة، وليست محاولة لإدانة أحد قبل معرفة الحقيقة. هذه أسئلة بسيطة في أي منظومة تحترم أبناءها.
والغريب أن اختصاص أمين السعيدي نفسه يمنحنا درسًا فلسفيًا قاسيًا. الكرة الحديدية لا تكذب. عندما ترميها، تعرف أين سقطت. تقيس المسافة، تحدد النقطة، وتحسب النتيجة. أما نحن البشر، فنبدو أحيانًا عاجزين عن تحديد أبسط الأشياء: أين كان فلان؟ متى غادر؟ من كان معه؟ ومن كان مسؤولًا عنه؟ في الرياضة، هناك حكم، وهناك قانون، وهناك نتيجة. أما في الإدارة، فقد تكون الكرة في ملعب الجميع، ولذلك لا يمسكها أحد. الجامعة تقول الوزارة، والوزارة تقول المطار، والمطار عنده إجراءات، والوفد عنده قائمة، والقائمة عندها أسماء، والأسماء عندها أرقام… وفي النهاية يبقى المواطن يسأل: «باهي، والراجل وينو؟» وهذه ربما هي أكثر جملة تونسية تلخص المأساة كلها: «وينو؟» وين الماء؟ وين الدواء؟ وين الحليب؟ وين البنزين؟ وين المسؤول؟ وين الحل؟ وين الإصلاح؟ واليوم: وين أمين السعيدي؟
نحن بلد عجيب فعلًا
حتى عندما نشارك في الألعاب المتوسطية، يمكن أن نعود منها بمسابقة إضافية لم تكن مبرمجة في الجدول الرسمي: مسابقة البحث عن اللاعب المفقود. وربما لو كانت هذه المسابقة مدرجة رسميًا، لحققنا فيها ذهبية، لأننا شعب اكتسب خبرة طويلة في البحث عن الأشياء التي يفترض أصلًا ألا تضيع. أما أمين السعيدي، فنتمنى قبل كل شيء أن يكون بخير، وأن تنتهي هذه الحكاية سريعًا، وأن نعرف الحقيقة كاملة بعيدًا عن الإشاعات والتخمينات. لكن بعد أن يظهر، إن شاء الله، يبقى سؤال صغير جدًا يستحق أن يُطرح على كل من له علاقة بتنظيم الوفود الرياضية:
يا جماعة الخير… في المرة القادمة، قبل ما تسألوا على الكرة الحديدية، عُدّوا اللاعبين أولًا.
ففي كرة الحديد، المهم أن تعرف أين سقطت الكرة… وفي إدارة الوفود، يبدو أنّ التحدي الأصعب أصبح أن نعرف أين ذهب اللاعب!