لم تعد أزمة المساعدات الإنسانية في قطاع غزة مرتبطة فقط بكمية المواد التي تدخل القطاع، وإنما باتت مرتبطة أيضًا بما يُسمح بإدخاله، ومن يستطيع الوصول إلى السكان، وما هي المناطق التي يمكن للمنظمات الإنسانية العمل فيها. وفي إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي، حذّرت أثينا رايبورن، المديرة التنفيذية لجمعية وكالات التنمية الدولية (AIDA)، التي تمثل أكثر من 100 منظمة إنسانية وتنموية عاملة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، من القيود المفروضة على العمل الإنساني وإدخال المساعدات إلى غزة.
وبحسب ما نقلته عنها تقارير حديثة، قالت رايبورن إن السلطات الإسرائيلية ترفض دخول مواد مثل المقصات والعكازات والكراسي المتحركة والأطراف الاصطناعية، بدعوى تصنيفها ضمن المواد التي يمكن أن تكون ذات «استخدام مزدوج»، في وقت يخضع فيه دخول الأطباء المتخصصين أيضًا لقيود.
عكازات وأطراف اصطناعية أمام الحصار
المفارقة الأكثر إثارة للجدل في هذه القيود تتمثل في طبيعة بعض المواد التي تواجه صعوبات في الدخول. ففي قطاع يعاني من أعداد ضخمة من المصابين والأشخاص الذين تعرضوا لإصابات غيّرت حياتهم، تصبح الكراسي المتحركة والعكازات والأطراف الاصطناعية أدوات أساسية لاستعادة الحد الأدنى من القدرة على الحركة والاستقلالية. وتشير بيانات أممية إلى أن عشرات الآلاف من المصابين في غزة يعانون إصابات طويلة الأمد أو غيّرت حياتهم، بينهم عدد كبير من الأطفال، ما يجعل توفير خدمات التأهيل والمستلزمات الطبية جزءًا أساسيًا من الاستجابة الإنسانية، وليس ترفًا يمكن تأجيله. كما أن منظمة الصحة العالمية وثّقت خلال عام 2025 مئات الهجمات التي طالت الرعاية الصحية والعاملين فيها، في وقت تضررت فيه المنظومة الصحية بشدة.
زيت المحركات.. مادة بسيطة تعطل منظومة الإغاثة
ومن أكثر التفاصيل التي تكشف طبيعة الأزمة، وفق شهادة رايبورن، القيود المفروضة على دخول زيت المحركات. قد يبدو زيت المحركات بعيدًا عن مفهوم المساعدات الإنسانية التقليدية، لكنه عنصر حيوي لتشغيل المركبات والمولدات ومضخات المياه والعديد من المعدات التي تعتمد عليها المنظمات الإنسانية. وتؤكد تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن نقص زيت المحركات وقطع الغيار أدى بالفعل إلى تعطيل مركبات ومولدات ومرافق أساسية، وأثر في توزيع الغذاء ونقل المياه وتشغيل سيارات الإسعاف وسلاسل التبريد الطبية.
وبحسب رايبورن، أدى تشديد القيود على زيت المحركات إلى ارتفاع سعره إلى نحو 45 ضعف مستواه الطبيعي، ما يضع عمليات الإغاثة أمام أزمة تشغيلية خطيرة. فالمشكلة هنا لا تتعلق بزيت يُستخدم في سيارة خاصة، بل بمادة يمكن أن يتوقف عليها تشغيل مولد مستشفى، أو شاحنة تنقل المياه، أو مركبة إسعاف، أو معدات ضرورية للخدمات الإنسانية.
والبصل والبطيخ أيضًا؟
في شهادة أثارت استغرابًا واسعًا، قالت رايبورن إن السلطات الإسرائيلية منعت أيضًا دخول بعض المواد الغذائية، من بينها البطيخ والبصل، بموجب ما وصفته بسياسة إنسانية غير منشورة. وتبقى هذه التفاصيل منسوبة إلى شهادة رايبورن أمام مجلس الأمن، ولا تعني بالضرورة وجود قرار إسرائيلي معلن يحظر كل هذه المواد الغذائية بصورة دائمة. لكنها، في مجملها، تعكس مشكلة أوسع تواجهها المنظمات الإنسانية: صعوبة التنبؤ بما يمكن إدخاله إلى القطاع، ومتى يمكن إدخاله، وبأي شروط.
أكثر من 30 منظمة إنسانية تحت القيود
ولا تقتصر الأزمة على المعدات والغذاء والوقود. فقد تحدثت رايبورن عن إلغاء تسجيل أكثر من 30 منظمة إنسانية دولية، وعن قيود على الوصول إلى ما لا يقل عن 85 نقطة مياه ومدرسة وعيادة صحية. وكانت إسرائيل قد فرضت بالفعل قواعد جديدة لتسجيل المنظمات الدولية العاملة في الأراضي الفلسطينية، وأعلنت تعليق عمل عشرات المنظمات التي لم تستوفِ المتطلبات الجديدة.
وفي مطلع عام 2026، قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن السلطات الإسرائيلية كانت تعتزم منع 37 منظمة دولية من العمل في غزة والضفة الغربية بسبب عدم امتثالها لمتطلبات التسجيل الجديدة، فيما اعتبرت تلك المنظمات أن القواعد الجديدة تمس مبادئ الحياد والاستقلال الإنساني. وتشمل المنظمات المتأثرة أسماء بارزة في المجال الإنساني والطبي، من بينها أطباء بلا حدود، والمجلس النرويجي للاجئين، وأوكسفام، وCARE وغيرها.
أزمة المياه تضيف طبقة أخرى إلى المأساة
وتأتي القيود على الوصول إلى نقاط المياه في وقت يعاني فيه سكان غزة أصلًا من أزمة حادة في الحصول على مياه آمنة. ووفق بيانات اليونيسف، ظل نحو 82% من الأسر في غزة تعاني انعدامًا في الأمن المائي خلال الفترة التي غطاها تقرير المنظمة في مايو 2026، فيما لم يتمكن ما يصل إلى 70% من السكان من الحصول على الحد الأدنى من ستة لترات من المياه للفرد يوميًا للشرب والطهي.
كما أشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن نقص زيت المحركات وقطع الغيار أثر بصورة مباشرة في خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة، مع تعطل عدد كبير من المركبات والمولدات ومحطات الضخ. وهكذا تتحول كل حلقة في سلسلة الإمداد إلى مسألة حياة أو موت: لا زيت، فتتوقف المولدات؛ لا وقود، فتتعطل الشاحنات؛ لا قطع غيار، فتتوقف المضخات؛ ولا وصول إلى نقاط المياه، فتتسع دائرة العطش والأمراض.
المساعدات ليست مجرد شاحنات
وتكشف أزمة غزة أن الحديث عن دخول المساعدات لا ينبغي أن يقتصر على عدد الشاحنات التي تعبر المعابر. فالمساعدات الإنسانية منظومة متكاملة تشمل الغذاء والماء والدواء والوقود وقطع الغيار والمعدات الطبية والكوادر المتخصصة، إضافة إلى القدرة على الوصول الآمن إلى السكان المحتاجين. وقد شددت الأمم المتحدة في تقاريرها على أن القيود على إدخال الوقود والمعدات وقطع الغيار تؤثر في الخدمات الأساسية، بما فيها المياه والصحة والنظافة وتوزيع الغذاء.
بين الأمن الإسرائيلي والاحتياجات الإنسانية
تقول إسرائيل إن القيود والإجراءات المفروضة على بعض المواد والمنظمات ترتبط باعتبارات أمنية، ومنع وصول المواد أو الموارد إلى جهات مسلحة. في المقابل، ترى منظمات إنسانية أن الإجراءات الواسعة التي تؤثر في معدات طبية ومواد ضرورية للخدمات الأساسية تجعل المدنيين يدفعون ثمن القيود، وتعرقل مبادئ العمل الإنساني القائمة على الحياد والاستقلال وعدم التمييز. وهنا تكمن إحدى أكثر القضايا حساسية في الأزمة: كيف يمكن تحقيق المتطلبات الأمنية من دون تحويل المساعدات الإنسانية نفسها إلى ورقة ضغط على المدنيين؟
غزة أمام اختبار إنساني وأخلاقي
إن قصة العكازات والكراسي المتحركة وزيت المحركات والبصل قد تبدو للوهلة الأولى مجرد تفاصيل صغيرة في حرب كبيرة، لكنها في الواقع تكشف طبيعة الحياة اليومية في غزة. فبالنسبة إلى شخص فقد ساقه، العكاز ليس مادة «ذات استخدام مزدوج» فحسب، بل وسيلة لاستعادة الحركة. وبالنسبة إلى مستشفى يعتمد على مولد كهربائي، فإن زيت المحركات ليس سلعة ثانوية، بل شرط لتشغيل الأجهزة الطبية. وبالنسبة إلى عائلة نازحة، فإن المياه النظيفة والغذاء والدواء ليست ملفات سياسية، بل احتياجات أساسية للبقاء. ومع استمرار القيود على دخول المساعدات وحركة العاملين والمنظمات الإنسانية، يبقى التحدي الأكبر أمام المجتمع الدولي هو ضمان وصول المساعدات بصورة منتظمة وآمنة وكافية وغير مسيّسة إلى المدنيين المحتاجين. ففي غزة، لم تعد المعركة الإنسانية تدور فقط حول ما يدخل من المعابر، وإنما حول سؤال أكثر جوهرية: هل يستطيع المدني أن يحصل على ما يحتاجه للبقاء حيًا، مهما كان اسمه أو وظيفته أو مكانه؟