عاجل
نادي ألعاب القوى بأكودة يندد بتجاوزات الجامعة حوار خاص مع النائب البحريني أحمد صباح السلوم ما علاقة النائب المصري عبد الفتاح دنقل بملف الذهب المصري؟ فيفو تطلق سلسة هواتف جديدة في تونس تونس تعزز حضورها الإعلامي المتوسطي الرياضة في تونس، انجازات تهدر وطاقات تستنزف بطل وسطنا فيلم برؤية شبابية يعيد إحياء روح أكتوبر النادي الرياضي الصفاقسي بين نتائج إيجابية وأزمة مالية تونس وإعادة التفكير في مستقبلها الاقتصادي مبادرة فنية توحد الفنانين حول رسالة إنسانية من أجل لبنان
مجتمع

الكنترة والحلم المؤجل، شهادة من الهامش التونسي

الكنطرة والحلم المؤجل، شهادة مواطن من الجنوب التونسي
الكنطرة والحلم المؤجل، شهادة مواطن من الجنوب التونسي

الكنطرة والحلم المؤجل، شهادة مواطن من الجنوب التونسي

يروي حاتم عبد الله، أصيل مدنين، سيرة حياة مليئة بالتقلبات بين مسار أكاديمي متعثر رغم شهاداته، وتجارب عمل متعددة في مجالات مختلفة، وصولاً إلى خوضه صعوبات اجتماعية واقتصادية في الجنوب التونسي. شهادته تعكس واقع التهميش والبحث عن الكرامة والعمل، مع استمرار تمسكه بالحلم والطموح رغم كل العوائق.
كتب : شكري بن حسين / تونس - المساء
⏱ 1 دقائق للقراءة
حاتم عبد الله، يبلغ من العمر 43 سنة، اصيل مدنين ، متحصّل على شهادة الاجازة سنة 2010، ثم شهادة أولى ماجستير بحث سنة 2011، فثانية ماجستير سنة 2012. مسار أكاديمي يبدو في ظاهره ناجحًا، لكنه يخفي وراءه سلسلة من الصدمات والخيبات. كانت البداية مع أول نكسة في السنة الرابعة ثانوي (باكالوريا رياضيات)، إثر وعكة صحية أثّرت على مساره. ثم جاءت صدمة ثانية حين غادر مؤطّره إلى الخليج، ليجد نفسه فجأة دون تأطير في مرحلة حاسمة من دراسته.

تراكمت هذه الأحداث، ولم تتوقف عند الجانب الأكاديمي فقط، بل امتدت إلى الجانب النفسي، خاصة بعد تجربة شخصية مع زميلة دراسة، ما عمّق شعوره بالنفور من الوسط التعليمي. ورغم حصوله على الإجازة، لم يستسلم. شارك في العديد من المناظرات، شأنه شأن أي شاب يبحث عن لقمة نظيفة في مجتمع بدأ يفقد ثقته في مبدأ النزاهة. من الكاباس، إلى خطط المرشدين، إلى طرق أبواب الإدارة الجهوية للتعليم بمدنين. كانت الإجابة في كل مرة تقريبًا واحدة: مازال مسكّرين باب التعويضات. جملة بسيطة في ظاهرها، لكنها كانت كافية لتلخّص سنوات من الانتظار، والإحباط، والإحساس بالإقصاء.

المساء : كنتَ تحلم بأن تكون رئيسًا للجمهورية. كيف وُلد هذا الحلم؟ ولماذا؟

حاتم عبد الله: لم يأتِ هذا الحلم من فراغ… منذ صغري، كنت أشعر بأن لديّ روح القيادة. في عائلتي، كنتُ الذكر الأول بعد ثلاث بنات، وفي تقاليدنا يُنظر إلى الذكر، حتى وإن سبقته الإناث، على أنه السند والمسؤول بعد الأب. وهذا لا يُنقص إطلاقًا من قيمة المرأة، فهي الأم والأخت، وهي أساس الحياة. ثم إنني من مواليد برج الأسد، وهذا ما منحني، كما يُقال، قوة في التحمّل، وسعة في الصدر، وقدرة على مواجهة الصدمات. لكنني في المقابل لا أتسامح مع من يتجاوز حدوده. كما أنني أنتمي إلى عائلة تحمل لقب الجمل، وهو لقب يعكس معاني الصبر والجلَد، وكأن القدر أراد أن أعيش هذه الصفات واقعًا لا مجرد اسم.

المساء: وهل كان حلم الرئاسة واضحًا منذ البداية؟

حاتم عبد الله: في الحقيقة، بدأ الحلم بشكل مختلف. كنت أطمح إلى أن أكون جنرالًا في الجيش، وأن ألتحق بالأكاديمية العسكرية لأدافع عن وطني وأخدمه بإخلاص بعد الله سبحانه وتعالى. ومن هناك، تطوّر الحلم. وقلت لنفسي: لِمَ لا أصل إلى رئاسة الجمهورية؟ غير أن هذا الحلم ترك في داخلي غُصّة لم تندمل.

المساء: كيف كانت بداياتك بعد الدراسة؟

حاتم عبد الله: طرقتُ أبواب العمل بشهادتي، رغم العراقيل التي واجهتني خلال مسيرتي الجامعية، ونجحت رغم بعض الممارسات غير النزيهة من بعض الإطارات. لكن الواقع كان قاسيًا. عملتُ في مجالات عديدة: في الدهانة، والترميم، والسياقة. وعملتُ أيضًا مع المعهد الوطني للإحصاء، كما اشتغلت حارسًا، بل وتولّيت مسؤولية إدارة في شركة خاصة، رغم غياب التغطية الاجتماعية وحتى الأعمال البسيطة لم أستنكف عنها. كما يُقال: سبع صنايع والبخت ضائع.

المساء. هل واجهت مواقف مفصلية أثّرت في مسارك؟

حاتم عبد الله: نعم، ومن أبرزها ما حدث سنة 2012. تعرفتُ حينها على إطار سامٍ في الادارة ، وعرض عليّ الالتحاق بوظيفة مقابل مبلغ مالي. كان ذلك اختبارًا حقيقيًا. لكنني رفضتُ بشكل قاطع. اخترتُ أن أبقى نظيف اليد، حتى وإن كان الثمن باهظًا.

المساء : وماذا عن تجربتك في التجارة؟

حاتم عبد الله: دخلتُ مجال بيع وشراء السيارات. كنت أمتلك خبرة جيدة في تقييمها واكتشاف أعطالها، وأُحسن تحديد أسعارها بدقة. لكن رأس المال كان عائقًا كبيرًا. كما أن السوق كان يعجّ ببعض السماسرة الذين لا يتحلّون بالأمانة، فكنت أُصدم في كل مرة، وأبدأ من جديد.

المساء: كيف أثّر الزواج على مسيرتك؟

حاتم عبد الله: بعد الزواج، تضاعفت المسؤوليات، وازدادت الأعباء. فقررتُ أن أتنقّل بين المدن، باحثًا عن رزق حلال. لكن الواقع لم يكن رحيمًا، فجهد يوم كامل قد لا يكفي لسدّ أبسط الحاجيات. وما كان يؤلم أكثر، هو بعض العبارات التي تُقال باستخفاف: افرح بنا ، شدّ حيلك ، وكأنها تُلقي باللوم عليك بدل أن تُدرك حجم المعاناة.

المساء: لو عاد بك الزمن. هل كنت ستتمسك بنفس الأحلام؟

حاتم عبد الله: الحلم لا يموت. لكن الحياة تُعلّمنا كيف نُغيّر الطرق، دون أن نتخلى عن الغايات.

المساء: في مرحلة ثانية من حياتك، وبحكم انتمائك إلى الجنوب وقربك من المناطق الحدودية، حدّثنا عن طبيعة عملك في تلك الفترة؟

حاتم عبد الله: في تلك المرحلة، وبحكم أصلي من الجنوب وقربي من المناطق الحدودية، إضافة إلى علاقاتي مع أصدقاء الدراسة وخارجها، امتهنت ما يُعرف بالكنترة.

المساء: كيف كانت حياتك الميدانية خلال تلك السنوات؟

حاتم عبد الله: عشتُ في صفاقس تسع سنوات، وتنقلتُ بين قابس وقفصة ومدنين، وكنت أزور مختلف ولايات الجمهورية، بدايةً بفضل أصدقاء الدراسة ثم بحكم العمل. رأيتُ جمال البلاد من جبال وسهول وواحات، ورأيتُ أيضًا الجانب الآخر منها. من طرقات مهترئة ومشاريع متعثرة، صغيرة كانت أو كبيرة.

وزرتُ زغوان، وعين دراهم، والقيروان، وسوسة، ونابل، وباجة، والكاف. وعايشتُ تفاصيل كثيرة من حياة الناس. وفي بعض المناطق أهدوني ما يُعرف بدلاع الوالي، وهو شيء لا يعرفه إلا القليل. ووصلتُ إلى سيدي بوزيد وقفصة، وهناك نلتُ أغلى ما في حياتي: زوجتي، سندي في الحياة. ثم إلى واحات توزر وقبلي، وخاصة دوز ونويل، حيث ما يزال الكرم والحياء حاضرَين في الناس.

المساء: كيف ترى التغيّرات الاجتماعية التي لاحظتها خلال هذه الرحلة؟

حاتم عبد الله: بصراحة، هناك أسف كبير. فالخير والشر موجودان في كل مكان، لكننا لاحظنا تراجعًا في بعض القيم، مثل الحياء، والعادات، وصلة الرحم. حتى أصبحنا نرى مظاهر لم تكن مألوفة، مثل امتلاء المقاهي في يوم العيد صباحًا. وهو أمر يعكس تغيّرًا اجتماعيًا عميقًا، والفاهم يفهم.

المساء: وكيف تفسّر مفهوم الكنترة الذي اشتغلت فيه؟

حاتم عبد الله: هناك خلط كبير في هذا المصطلح. ليس كل من ينقل سلعة بسيارة أو يعبر الحدود يُعتبر كناتريًا. الكناتري الحقيقي، في نظري، هو من يدير أموالًا كبيرة من دون رقابة، ومن دون أي اعتبار للقانون أو للقيم، ويكون همه الوحيد هو الربح، بغض النظر عن الحلال أو الحرام، أو الضرر أو النفع، أو حتى مساسه بالدولة أو بصحة المواطن. هؤلاء موجودون في طبقات ومراكز لا يعلمها إلا الله، وقد تغيّر المشهد في مراحل مختلفة، خاصة قبل وبعد وصول قيس سعيّد إلى الحكم، حيث انكشف بعض المستور وهرب البعض أو اختفى.

المساء: ومن هم الذين يعملون على الأرض فعليًا؟

حاتم عبد الله: الذين يُطلق عليهم هذا الاسم أحيانًا في الإعلام، هم في الحقيقة تجار صغار. يعبرون الحدود بسلع بسيطة مثل الملابس أو البنزين أو بعض المواد الاستهلاكية أو حتى هاتف. لكنهم في الواقع ليسوا كناترية بالمعنى الحقيقي، بل هم الحلقة الأخيرة في سلسلة أكبر: في الأعلى توجد بارونات التهريب، ثم الوسطاء، ثم هؤلاء الصغار الذين فرضت عليهم الظروف والموقع الجغرافي هذا الواقع، وكنتُ واحدًا منهم.

المساء: كيف تلخّص هذه التجربة بالنسبة لك؟

حاتم عبد الله: هذا موضوع معقّد، ويحتاج إلى وقت طويل لفهمه وتحليله. لكنني أعتبره جزءًا من رحلة حياة قاسية علّمتني الكثير.

المساء : وماذا عن مسارك بعد ذلك وطموحك الشخصي؟

حاتم عبد الله: رغم كل الظروف، لم أتوقف عن السعي. كنت دائم البحث عن عمل، ولم أكن يومًا متفرجًا أو واقفًا على الهامش، لأن طموحي ورؤيتي كانا أكبر من ذلك. أؤمن بأن الحلول تُبنى بالحوار الجاد مع مسؤولين أكفاء، وبإنشاء مسارات تكوين حقيقية في كل المجالات، بما في ذلك السياسة، وصولًا إلى أعلى هرم في الدولة، أي رئاسة الجمهورية، تحت إشراف كفاءات وطنية وشرفاء، خاصة من متقاعدي سلكي الجيش والأمن.

المساء: كلمة أخيرة؟

حاتم عبد الله: حلمي ما زال حيًّا. وأملي في هذا الشعب كبير أن يستفيق ويتحمّل مسؤوليته، لأن بناء الدولة مسؤولية جماعية لا فردية. كما أناشد سيادة رئيس الجمهورية قيس سعيّد أن يزور ولاية مدنين،

وأن يطّلع ميدانيًا على واقعها كما هو، بعيدًا عن التقارير المكتبية. ونحن بدورنا، مستعدّون لأن نمدّه بالحقيقة الميدانية كاملة حول وضع الولاية، بكل شفافية وصدق، حتى تكون الصورة واضحة ودقيقة، ويُبنى القرار على الواقع لا على التقديرات.

كلمات مفاتيح : الكنطرة حوار مع كناطري

أضف تعليق






اقرأ أيضا

نادي ACA يطلق صيحة فزع ضد طريقة تسيير الجامعة التونسية لألعاب القوى

نادي ألعاب القوى بأكودة يندد بتجاوزات الجامعة

في خضمّ المشهد الرياضي التونسي الذي تتزايد فيه الإشكاليات التنظيمية والقانونية، ...

إقرأ المزيد
المنامة تمتلك مقومات التحول إلى مركز إقليمي لريادة الأعمال

حوار خاص مع النائب البحريني أحمد صباح السلوم

بمناسبة احتفال العاصمة البحرينية المنامة باليوبيل الفضي لمكتب ترويج الاستثمار وا...

إقرأ المزيد
التنقيب عن الذهب في الصحراء المصرية، معلومات رسمية تكشف الكواليس

ما علاقة النائب المصري عبد الفتاح دنقل بملف الذهب المصري؟

أكدت تقارير ووقائع رسمية أن شركة ميداف للتعدين والصناعة والبحث عن الذهب والمعادن...

إقرأ المزيد
فيفو تكشف عن أحدث هواتفها الذكية في السوق التونسية

فيفو تطلق سلسة هواتف جديدة في تونس

أطلقت العلامة التكنولوجية العالمية vivo رسمياً أحدث هواتفها الذكية في السوق التو...

إقرأ المزيد
انتخاب شكري بن نصير نائباً لرئيس منظمة COPEAM بالإجماع

تونس تعزز حضورها الإعلامي المتوسطي

في تتويج جديد لحضور تونس المتنامي على الساحة الإعلامية الإقليمية والدولية، تم ان...

إقرأ المزيد
الرياضة الفردية التونسية، التتويج دولي والإقصاء محلي

الرياضة في تونس، انجازات تهدر وطاقات تستنزف

من المؤسف أن ما تعيشه بلادنا منذ عقود لا يزال يتكرر بالمشهد ذاته، حيث تتواصل مما...

إقرأ المزيد
شادي إدوارد يحصد المركز الأول بفيلم يحيي أبطال أكتوبر المنسيين

بطل وسطنا فيلم برؤية شبابية يعيد إحياء روح أكتوبر

في وقتٍ تراجعت فيه مظاهر الاحتفاء بأبطال حرب أكتوبر في بعض الأماكن، اختار أحد طل...

إقرأ المزيد
قلعة الأجداد في خطر ونجاح رياضي يقابله انهيار مالي

النادي الرياضي الصفاقسي بين نتائج إيجابية وأزمة مالية

يعيش النادي الرياضي الصفاقسي، أو كما يحلو لجماهيره تسميته بقلعة الأجداد، على وقع...

إقرأ المزيد
تونس أمام مفترق طرق اقتصادي هل حان وقت تغيير النموذج؟

تونس وإعادة التفكير في مستقبلها الاقتصادي

تبدو تونس اليوم أمام سؤال لا يمكن تجاوزه بسهولة: هل يمكن الاستمرار بنفس النموذج ...

إقرأ المزيد
معرض فني رقمي يعيد رسم لبنان كرمز للصمود والجمال

مبادرة فنية توحد الفنانين حول رسالة إنسانية من أجل لبنان

في عالم تتسارع فيه الأزمات وتتقلص فيه مساحات الأمل، يظل الفن أحد أبرز الأدوات ال...

إقرأ المزيد