عاجل
اقتصاد

الكاش يهيمن: أزمة ثقة تهزّ المنظومة المالية التونسية

بين الاقتصاد الموازي والبنوك: من يربح معركة السيولة؟
بين الاقتصاد الموازي والبنوك: من يربح معركة السيولة؟

بين الاقتصاد الموازي والبنوك: من يربح معركة السيولة؟

تشهد تونس ارتفاعًا قياسيًا في تداول النقد خارج البنوك، حيث بلغ 27.5 مليار دينار في 2026، نتيجة فقدان الثقة في المنظومة المالية، وتوسع الاقتصاد الموازي، وضعف انتشار الدفع الرقمي. هذا التوجه ليس مجرد خلل، بل سلوك عقلاني في ظل التضخم وعدم اليقين. الحل يكمن في إصلاح مؤسساتي شامل يعيد الثقة، ويعزز الإدماج المالي، ويحوّل السيولة من مخزون راكد إلى محرك للاستثمار والتنمية.
كتب : نذير عزوز / تونس - المساء
⏱ 2 دقائق للقراءة 📊 إحصائيات
يواجه الاقتصاد التونسي خلال النصف الأول من سنة 2026 ظاهرة لافتة تتمثل في تضخم غير مسبوق في الكتلة النقدية المتداولة خارج الأطر البنكية، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول أسس الإدماج المالي في البلاد. فبعيدًا عن الأرقام المجردة، يعكس هذا الارتفاع الكبير في استخدام النقد (الكاش) اختلالًا عميقًا بين المؤسسات المالية وتطلعات الفاعلين الاقتصاديين، حيث بات الاقتصاد غير المنظم يشكّل خيارًا عقلانيًا للتكيّف مع الواقع.
🔔
اشترك في التنبيهات
آخر الأخبار فور نشرها مباشرة على هاتفك
📱

تنبيهات فورية

وفي هذا السياق، تشير المعطيات الصادرة عن البنك المركزي التونسي إلى أن حجم الأوراق النقدية والقطع المعدنية المتداولة بلغ مستوى قياسيًا قدره 27.5 مليار دينار في فيفري 2026، مسجلًا نموًا سنويًا بنسبة 19.6%. وقد تعزز هذا التوجه نحو التعامل النقدي إثر التعديلات التي طرأت على مجلة التجارة، حيث تراجع استعمال وسائل الدفع الكتابية، خاصة الشيكات، بنسبة 67.5% خلال سنة 2025، دون أن تتمكن وسائل الدفع الرقمية من تعويض هذا الانخفاض بشكل كامل، وهو ما يعكس فقدانًا نسبيًا للثقة في المنظومة المالية، إذ يعود النقد ليصبح الوسيلة المفضلة للتبادل كلما اعتُبرت الضمانات البنكية معقدة أو مقيّدة من قبل المتعاملين. ومن زاوية أعمق، تكشف هذه الظاهرة عن ما يمكن تسميته بمثلث التهميش المالي، حيث يتقاطع الإقصاء البنكي مع توسع الاقتصاد غير المنظم وضعف التحول الرقمي. إذ لا يزال نحو 64% من التونسيين البالغين خارج المنظومة البنكية، ما يجعل اللجوء إلى النقد ضرورة يومية لفئات واسعة لا تجد في البنوك حلاً بل عبئًا. وفي الوقت ذاته، يشكّل الاقتصاد الموازي حوالي 45% من الناتج الداخلي الخام، معتمدًا بشكل شبه كلي على السيولة النقدية لضمان استمرارية نشاطه بعيدًا عن الرقابة الجبائية، وهو ما جعله يتحول من ظاهرة هامشية إلى منظومة قائمة بذاتها تستوعب اليد العاملة غير المدمجة في الاقتصاد الرسمي. ورغم تسجيل نمو لافت في المعاملات الرقمية عبر الهاتف الجوال بنسبة 81% خلال سنة 2025، فإن ضعف انتشار وسائل الدفع الإلكتروني لدى التجار يحدّ من هذا التحول ويُبقي على هيمنة النقد.

قربة تحتفي بالمسرح وتفتتح دورتها بسهرة فنية ناجحة
إقرأ كذلك
قربة تحتفي بالمسرح وتفتتح دورتها بسهرة فنية ناجحة
نشر يوم 2026-08-23

وبالانتقال إلى تفسير هذا السلوك، يتضح أن اختزاله في ضعف الثقافة المالية لا يعكس حقيقة الوضع، بل إن الأمر يتعلق بخيار عقلاني يتخذه الأفراد في ظل مناخ اقتصادي يتسم بعدم اليقين، خاصة مع بلوغ نسبة التضخم 4.8% في بداية السنة، حيث تصبح السيولة الفورية وسيلة للتحوّط والحفاظ على القدرة الشرائية. غير أن جوهر الإشكال يبقى مؤسساتيًا بالأساس، إذ يتطلب إصلاحًا عميقًا يعيد بناء الثقة بين المواطن والمنظومة المالية، عبر تحويلها من أداة رقابية إلى فضاء خدماتي يستجيب لاحتياجات مختلف الفئات، وهو ما يمرّ حتمًا عبر تبني مقاربة إدماجية تقوم على التثقيف المالي التشاركي وتطوير آليات تمويل بديلة، مثل التمويل المرتبط بالأصول والتمويل الصغير، بهدف تعبئة المدخرات وتحويلها إلى استثمارات منتجة. إن الحد من هيمنة النقد لا يمكن أن يتحقق من خلال إجراءات نقدية معزولة، بل يتطلب استراتيجية وطنية متكاملة تعيد إدماج هذه الكتلة المالية الضخمة، المقدرة بـ27.5 مليار دينار، في الدورة الاقتصادية الرسمية. فذلك وحده الكفيل بإعادة التوازن إلى السيولة البنكية وتمكين الاقتصاد من تمويل استثماراته بشكل مستدام، بما يجعل من نقد الحيطة رافعة حقيقية للتنمية، ويحدد في الآن ذاته ملامح السيادة الاقتصادية لتونس في المرحلة القادمة.

ندوة بالسليمانية تحتفي بالمرأة التونسية
إقرأ كذلك
ندوة بالسليمانية تحتفي بالمرأة التونسية
نشر يوم 2026-08-17

أضف تعليق






اقرأ أيضا

من القارورة إلى البورصة، كيف أصبح رأس المال الفرنسي حاضر في سوق المشروبات التونسية؟

خرج الاستعمار الفرنسي، لكنه رجع إلى تونس من باب قارورة سلتيا

خرج الاستعمار الفرنسي من تونس منذ عقود، وغادر الجنود والإدارة الاستعمارية، لكن ي...

إقرأ المزيد
رضوان العجرودي يتألق في مهرجان العالمي للشعر

من تونس إلى كولومبيا، الشاعر التونسي رضوان العجرودي يلفت الأنظار

سجّل الشعر التونسي حضورًا لافتًا في الدورة السادسة والثلاثين من المهرجان العالمي...

إقرأ المزيد
مدينة ألعاب في فرسنا بأموال سعودية

السعودية تستثمر مليارات في فرنسا لإنشاء مدينة ألعاب

لم يكن إعلان فرنسا والسعودية عن مشروع ضخم لإنشاء مدينة ترفيهية مستوحاة من عالم «...

إقرأ المزيد
هل يواكب المهرجان العربي للإذاعات والتلفزيون إعلام المستقبل؟

هل حان وقت إعادة التفكير في الإعلام العربي؟

في مقر وزارة الشؤون الثقافية بتونس، انعقد اجتماع جمع وزيرة الشؤون الثقافية السيد...

إقرأ المزيد
من يعبث بقوت التونسيين؟

من يريد تعطيش وتجويع الشعب التونسي؟

تعيش تونس منذ بداية الصائفة على وقع أزمات متلاحقة تمسّ قطاعات حيوية ترتبط مباشرة...

إقرأ المزيد
الغارات الإسرائيلية على سوريا ترفع منسوب التوتر مع تركيا

إسرائيل وتركيا في سوريا، جبهة جديدة تهدد بإشعال المنطقة

بينما تتركز الأنظار على الحرب بين إسرائيل وإيران والتوتر المتصاعد حول مضيق هرمز،...

إقرأ المزيد
بين الاحتجاج والفوضى، إشعال العجلات ليست وسيلة للتعبير

غضب المواطن مشروع لكن قطع الطريق ورشق الحجارة ليس الحل

لا يمكن أن يكون التعبير عن الغضب بسبب انقطاع الماء أو الكهرباء أو تراجع بعض الخد...

إقرأ المزيد
قربة تحتفي بالمسرح وتفتتح دورتها بسهرة فنية ناجحة

أيام قربة المسرحية تنطلق بنجاح بعرض يخطف تصفيق الجمهور

واكبت جريدة المساء التونسية حفل افتتاح الدورة الثالثة لأيام قربة المسرحية، في سه...

إقرأ المزيد
هذه تونس الغنية بالثروات والفقيرة في النمو

المفارقة العجيبة التونسية: تملك الثروة لكنها تخسر العقول

رغم ما تزخر به تونس من ثروات طبيعية وإمكانات اقتصادية مهمة، فإن المفارقة تظل قائ...

إقرأ المزيد
ماذا تغير في جمعيات مراكز الشباب المصرية؟

هل تحتاج مراكز الشباب المصرية إلى كل هذه النفقات؟

في وقت تتجه فيه الدولة المصرية إلى ترشيد الإنفاق وتعظيم الاستفادة من الموارد الم...

إقرأ المزيد