كيف يمكن لمنطقة صُنعت لتكون واجهة السياحة التونسية أن تتحول إلى فضاء تتجاور فيه البنايات الفوضوية مع المزابل، وتنتشر فيه الأنشطة العشوائية دون أن يلوح في الأفق أثر حقيقي للرقابة؟ البناء يتم هنا وهناك، وكأن قوانين التهيئة العمرانية مجرد حبر على ورق. محلات تُفتح، ومطاعم تنشط، وإقامات تُؤجّر باليوم والأسبوع، بينما يبقى السؤال معلقًا: هل كل هذه الأنشطة تخضع فعلًا للترخيص والمراقبة الجبائية والصحية والأمنية، أم أن الأمر أصبح واقعًا مفروضًا لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه؟ ثم يأتي المشهد الأكثر إيلامًا... أطفال يجوبون الشوارع لبيع الفل والياسمين تحت أشعة الشمس حتى ساعات متأخرة من الليل. الجميع يراهم، والجميع يعرف أن استغلال الأطفال يجرمه القانون، لكن الظاهرة مستمرة، وكأنها أصبحت جزءًا من الديكور السياحي. أما البيئة، فهي قصة أخرى. أكوام من الفضلات، وأعشاب طفيلية، ومظاهر إهمال لا تليق بمدينة تعيش من السياحة. فالزائر لا يحتفظ في ذاكرته بالفنادق وحدها، بل بالصورة العامة التي يراها منذ لحظة وصوله وحتى مغادرته. ولا يختلف الوضع كثيرًا في مناطق مثل البسباسية، وجبنون، وبئر بويطة، وامتداد براكة الساحل وصولًا إلى حدود بئر بورقبة، حيث تتكرر الشكاوى من البناء غير المنظم، وضعف النظافة، وغياب المتابعة الميدانية.
السؤال الذي يفرض نفسه ليس: هل توجد تجاوزات؟ بل: أين الجهات المكلفة بالتصدي لها؟ أين البلديات؟ وأين مصالح الصحة؟ وأين المراقبة الاقتصادية؟ وأين الجباية؟ وأين أجهزة إنفاذ القانون؟ وهل يكفي أن تتحرك هذه الهياكل عند وقوع كارثة، أم أن دورها الحقيقي هو الوقاية قبل فوات الأوان؟ وبطبيعة الحال، أين الدولة؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مدينة ليس كثرة المخالفات، بل الاعتياد عليها. فعندما تصبح الفوضى أمرًا عاديًا، ويصبح احترام القانون استثناءً، فإن الجميع يخسر: المواطن، والمستثمر، والسائح، وحتى صورة تونس التي بُنيت على مدى عقود كوجهة سياحية متميزة. الحمامات الجنوبية لا تحتاج إلى حملات دعائية جديدة، بل إلى حملة لاستعادة هيبة القانون. فالاستثمار الحقيقي يبدأ بالنظام، والسياحة تزدهر حين يشعر الزائر بأن المدينة تُدار بالقانون لا بالفوضى. ويبقى الأمل أن تجد هذه الرسالة طريقها إلى أصحاب القرار، لأن إنقاذ الحمامات الجنوبية اليوم أقل كلفة بكثير من محاولة ترميم سمعتها غدًا.

