الوزيرة قالت إن القرض موجه للاستثمار. هذا جميل. جميل إلى درجة أن القارئ يتخيل مصانع جديدة، ومناطق صناعية، وآلاف مواطن الشغل، وربما شريطًا أحمر سيقصه مسؤول وهو يبتسم أمام الكاميرات. لكن ماذا لو غادرنا الاستوديو، وأغلقنا الميكروفون، وفتحنا وثائق البنك نفسه؟ هنا تتغير الرواية. لأن الوثائق المنشورة تشير إلى أن التمويل مخصص لدعم احتياطي العملة الصعبة، وتمويل واردات أساسية مثل المحروقات والمواد الغذائية والأسمدة، إضافة إلى المساعدة في تسوية التزامات وديون تجارية. ويصبح السؤال مشروعًا: أين المشروع الاستثماري الذي تحدثت عنه الوزيرة مشكاة سلامة؟ وأين هو دور المؤسسة الإعلامية موزاييك؟ هل يكفي أن يتحدث مسؤول حتى يصبح كلامه خبرًا مكتملًا؟ ولقد جاء الخبر الرسمي على موقع البنك كما يلي:
تم توقيع اتفاقية التسهيل التمويلي في المقر الرئيسي للبنك الإفريقي للتصدير والاستيراد (Afreximbank)، خلال اجتماع حضره الدكتور جورج إيلومبي، رئيس البنك ورئيس مجلس إدارته، وفتحي زهير النوري، محافظ البنك المركزي التونسي، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين من المؤسستين. ويُضاف هذا التسهيل التمويلي إلى مبلغ 1،2 مليار دولار أمريكي سبق أن صرفه البنك لصالح البنك المركزي التونسي، وسيساعد الحكومة التونسية على الوفاء باستحقاقات ديونها التجارية، وتمويل واردات السلع الأساسية، بما في ذلك المحروقات والأسمدة والمواد الغذائية، إلى جانب تعزيز إمكانية الوصول إلى السيولة بالعملات الأجنبية. كما تعزز هذه العملية الدور المضاد للدورات الاقتصادية الذي يضطلع به البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد، وتؤكد التزامه بدعم التحول الاقتصادي والهيكلي في القارة الإفريقية.
وإذا كان الأمر بهذه الشاكلة في إذاعة موزاييك، لماذا يشغلون الصحفيون أصلًا؟ ولماذا يوجد قسم في الاقتصاد؟ ولماذا تُنشر وثائق المؤسسات المالية الدولية إذا لا أحد يقرأها؟ المشكلة ليست في أن الوزيرة قدمت توصيفًا قد يثير الجدل، فالتصريحات السياسية تخضع دائمًا للنقاش والتحليل. والمشكلة الحقيقية أن موزاييك يفترض أنها مرجع إخباري اختارت أن تكون ناقلًا للتصريح، لا مدققًا فيه، وكأن مهمتها أصبحت: "انسخ... الصق... وانشر."
الصحافة ليست منصة لإعادة بث تصريحات المسؤولين. الصحافة تبدأ بعد انتهاء المؤتمر الصحفي، عندما يفتح الصحفي الوثائق، ويقارن، ويسأل، ويكتشف الفروق بين الخطاب السياسي والنصوص الرسمية. في الاقتصاد، تستطيع الكلمات أن ترتدي أجمل البدلات ويمكن للدين أن يسمى تمويلًا وللعجز أن يصبح تحديًا وللإنقاذ المالي أن يُقدَّم باعتباره استثمارًا إلا أن الوثائق لا تجامل. ولهذا، فإن العودة إلى المصدر الأصلي ليست رفاهية صحفية، بل جوهر المهنة. فالقرض لا يصبح استثماريًا لأن مسؤولًا قال ذلك أمام البرلمان، ولا يصبح استهلاكيًا لأن كاتبًا كتب مقالًا ساخرًا،
بل تحدد طبيعته البنود الواردة في اتفاقية التمويل نفسها. ولو أن بعض المؤسسات الإعلامية استبدلت خمس دقائق من إعادة نشر البلاغات بخمس دقائق من قراءة الوثائق، لربما وجد المواطن أمامه صحافة تطرح الأسئلة بدل أن تكتفي بحمل الميكروفون. فالصحافة ليست صدى للسلطة... بل اختبار دائم لما تقوله السلطة.

