ويرى عدد من المحللين أن موجات الهجرة التي تشهدها سبتة ومليلية أصبحت جزءًا من معادلة جيوسياسية معقدة، تتشابك فيها مصالح المغرب وإسبانيا والولايات المتحدة وإسرائيل، إلى جانب الجزائر التي تمثل طرفًا رئيسيًا في توازنات المنطقة. ولطالما وُجهت للمغرب اتهامات أوروبية باستخدام ملف الهجرة كورقة ضغط دبلوماسية. ويصف بعض الباحثين هذا النفوذ بما يشبه "مفتاح الهجرة"، أي القدرة على تشديد الرقابة على الحدود أو تخفيفها وفقًا للسياق السياسي.
ويستحضر كثيرون أزمة ماي 2021، عندما دخل آلاف المهاجرين إلى سبتة خلال ساعات قليلة، في خطوة ربطها مراقبون بالتوتر الذي نشب بين الرباط ومدريد إثر استقبال إسبانيا لزعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج. ومنذ ذلك الحين، أصبح ملف الهجرة أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات المغربية الأوروبية.
تحالف يتجاوز التطبيع
شهدت السنوات الأخيرة تقاربًا غير مسبوق بين المغرب وإسرائيل، بعد الاتفاق الثلاثي الذي أُعلن نهاية سنة 2020، حيث اعترفت إدارة الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترامب بسيادة المغرب على الصحراء الغربية مقابل استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الرباط وتل أبيب. وتطورت العلاقات لاحقًا لتشمل مجالات الدفاع والاستخبارات والتكنولوجيا العسكرية، خصوصًا في مجالات الطائرات المسيّرة وأنظمة المراقبة الإلكترونية، وهو ما منح هذا التقارب بعدًا استراتيجيًا يتجاوز مجرد العلاقات الدبلوماسية. ويرى بعض المحللين أن هذا المحور، المدعوم أمريكيًا، أصبح أحد أبرز عناصر إعادة تشكيل موازين القوى في شمال إفريقيا.
رسائل أمريكية تثير التساؤلات
زاد الجدل خلال عام 2026 بعد تداول تقارير أشارت إلى أن وثائق صادرة عن الكونغرس الأمريكي وصفت سبتة ومليلية بأنهما "أراضٍ مغربية تحت الإدارة الإسبانية". ورغم أن ذلك لا يمثل تغييرًا رسميًا في السياسة الخارجية الأمريكية، فإنه فتح الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة التحولات داخل دوائر صنع القرار في واشنطن، وما إذا كانت الولايات المتحدة بصدد إعادة النظر في مقاربتها لملفات السيادة في المنطقة.
الجزائر تدخل على الخط
التوقيت بدوره أثار اهتمام المراقبين. فقد جاءت الأزمة بعد أيام قليلة من زيارة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى الجزائر، حيث أعلن الجانبان تعزيز التعاون الاستراتيجي في ملفات الطاقة والأمن والاقتصاد. وبالنظر إلى التنافس الإقليمي الحاد بين الجزائر والمغرب، رأى بعض المحللين أن أي تقارب بين مدريد والجزائر قد يُقرأ في الرباط باعتباره تحولًا يستوجب إرسال رسائل سياسية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. في المقابل، تشهد العلاقات الإسبانية الإسرائيلية مرحلة غير مسبوقة من البرود، خاصة بعد اعتراف إسبانيا بالدولة الفلسطينية وتوجيه الحكومة الإسبانية انتقادات متكررة للعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة ومواقفها الإقليمية. ويعتقد بعض المتابعين أن هذا التوتر يضيف بعدًا جديدًا إلى المشهد، خصوصًا في ظل التقارب المتزايد بين المغرب وإسرائيل، بما يجعل الأزمة الحالية تتجاوز مجرد خلاف ثنائي بين الرباط ومدريد.
أكثر من مجرد أزمة حدود
قد تبدو سبتة اليوم مدينة صغيرة على الخارطة، لكنها تحولت إلى نقطة تقاطع لمصالح دولية وإقليمية متشابكة. فالهجرة غير النظامية لم تعد مجرد قضية إنسانية أو أمنية، بل أصبحت في نظر كثير من الخبراء أداة من أدوات إدارة الصراعات والنفوذ، ورسالة سياسية يمكن أن تحملها الحدود بقدر ما تحملها البيانات الدبلوماسية. وفي ظل استمرار التوترات في غرب المتوسط، تبدو سبتة مرشحة للبقاء في قلب التجاذبات، حيث تختلط الجغرافيا بالسياسة، وتتحول حركة البشر إلى عنصر مؤثر في معادلات القوة الإقليمية.

