تدور أحداث الفيلم في أزقة وميادين عاشت تاريخ القاهرة من الدرب الأحمر والجمالية إلى شارع المعز ومنطقة "تحت الربع" لكن بؤرة الاهتمام ليست المباني نفسها، بل الحياة التي احتضنتها هذه الأماكن. يتتبّع الفيلم أثر المكان في نفوس الساكنين، مستمعاً إلى سرد كبار السن وملامح وجوههم التي حفت بها أيام الزمن، محاولاً التقاط ذاكرةٍ قابلة للزوال قبل أن يبتلعها النسيان. يقدّم "حدوتة من زمان" السينما بوصفها حواراً إنسانياً مباشرًا لا سرداً تاريخياً جامداً. تعتمد رؤية الفيلم على لقاءٍ صادق مع الرجال والنساء الذين صاغوا تفاصيل يوميات هذه الأماكن، فتكشف المقاطع عن لحظات بسيطة، زاوية لعبٍ طفولي، ركن شاهد على عشقٍ قديم، أو ذكرى مؤلمة محفوظة في نبرة صوت — تتحوّل كلها إلى شهادات وثائقية أكثر صدقاً من أي مرجع مكتوب.
من الذاكرة الفردية إلى الذاكرة الجمعية
الفيلم يبرز كيف تتحول الذكريات الشخصية إلى بناءٍ جماعي للهوية، وكيف تصبح كل "حدوتة" وثيقة حياة تضاف إلى تاريخ المكان. هنا، التاريخ ليس مجموعة تواريخ وأسماء، بل مجموع روايات الناس الذين عاشوا بين جدرانه، وروح تلك الروايات هي الأثر الحقيقي الذي يبقى رغم تقادم الزمن.
واعتمد الفيلم على لغة تصوير تضع الإنسان في المقدمة، واختار زوايا قريبة وإضاءات تعكس دفء الحكاية وملامحها. المقابلات لم تكن تقليدية؛ بل حوارات تُجرى في أماكنها الطبيعية، مما أتاح للنص والصوت والمشهد أن يتكاملوا في لوحة وثائقية بعيدة عن التبسيط أو الرومانسية الفارغة. ويُعد "حدوتة من زمان" مشروع تخرج طلابي جماعي أتى ثمرة جهود عدد من طلاب الجامعة: سيف الدين محمد كمال، محمود أحمد محمد، آية فهد عميش، سما أحمد كامل، لمياء وليد السيد، شهد محمد أحمد، نورهان عبد الناصر، رقيه محمد حسين، إيمان سمير إبراهيم، إسراء محمود رفعت، خلود محمود محمد، داليا ناصر خالد، سارة جميل صالح، رضوى فوزي أبو الوفا، شيماء حامد سيد، فرح أحمد محمد، مريم عصام محمد. وقد تولى الإشراف الأكاديمي كل من د. داليا جمال، د. داليا عيد، والأستاذة أسماء عاطف. "حدوتة من زمان" ليس مجرد فيلم يوثّق مكاناً، بل دعوة لإعادة النظر إلى الأماكن القديمة بقلوب ساكنيها. هو تذكير بأن الذاكرة الحقيقية للمكان تُصنع من قصص الناس اليومية، وأن السينما الوثائقية قادرة على استعادة هذه الذاكرة وإعطائها صوتاً جديداً.