عاجل
ثقافة

مهرجان قرطاج، حين يصبح العطش أغلى من سعر التذكرة

قرطاج بين سحر المسرح وغلاء الخدمات
قرطاج بين سحر المسرح وغلاء الخدمات

قرطاج بين سحر المسرح وغلاء الخدمات

رصدٌ انطباعي لسهرة الشاب خالد في مهرجان قرطاج، يتناول أجواء الحفل وارتفاع أسعار الخدمات داخل المسرح، ويطرح تساؤلات حول جودة التجربة الثقافية ودور المهرجان في استثمار القيمة الحضارية لموقع قرطاج، بما يجعل الزائر يتذكر التجربة الفنية أكثر من تكاليفها.
كتب : شكري بن حسين / تونس - المساء
⏱ 2 دقائق للقراءة 📊 إحصائيات
وصلت إلى المسرح الأثري بقرطاج قبل نحو ساعة من انطلاق الحفل. لم أذهب فقط للاستماع إلى الشاب خالد، بل لأراقب مشهدًا يتكرر كل صيف، حيث تتحول قرطاج إلى نقطة التقاء لعشاق الموسيقى والفرجة. الجمهور كان يتدفق من كل الاتجاهات؛ عشاق الراي، ورواد المهرجان الدائمون، وآخرون جاءوا فقط ليقولوا لاحقًا: "كنا في قرطاج". أما أنا، فقد دخلت المكان وأنا أبحث أولًا عن قارورة ماء.
🔔
اشترك في التنبيهات
آخر الأخبار فور نشرها مباشرة على هاتفك
📱

تنبيهات فورية

طلبت من البائع قارورة نصف لتر، فجاءني الرد سريعًا: أربعة دنانير. ابتسمت، ثم اكتفيت بابتلاع ريقي.

بعد دقائق، أعلنت معدتي احتجاجها، فسألت عن سندويتش تونة. الإجابة كانت: أربعة عشر دينارًا. كدت أسأل مازحًا: هل التونة جاءت من أعماق البحر الأبيض المتوسط، أم اصطادتها حورية في مثلث برمودا؟ عندها فقط فهمت لماذا دخل كثيرون حاملين أكياسًا مليئة بالماء والعصائر والسندويتشات والحلويات. لم يكن الأمر بخلًا، بل درسًا في حسن إدارة المصاريف. في مهرجان قرطاج، أصبح الزاد وسيلة لحماية القدرة الشرائية.

ثم اعتلى الشاب خالد الركح، حوالي العاشرة والربع ليلًا. خمسة عازفين، وسلسلة من الأغاني التي يحفظها الجميع: ديدي، عايشة، سي لا في، وOn va danser. غنى خالد، لكن الجمهور غنى أكثر. بدا للحظات أن الحاضرين يعرفون الكلمات أكثر من صاحبها، حتى خُيّل إليّ أن الفنان جاء ليستمع إلى جمهوره أكثر مما جاء ليغني له. أما حضوره فوق الركح، فلم يكن ذلك الحضور المفعم بالحيوية الذي ارتبط باسمه عبر السنوات. الأداء كان محترفًا، لكنه افتقد شيئًا من الشغف والطاقة التي صنعت نجومية الراي وجعلته يعبر الحدود.

كانت سهرة جيدة، لكنها لم تحمل ذلك الإحساس بالاستثناء الذي ينتظره جمهور مهرجان يحمل اسم قرطاج. ومن هنا يفرض السؤال نفسه: هل ما نبيعه اليوم هو الفن، أم مجرد ذكرى حضور؟

هل أصبح اسم الفنان هو العنصر الأساسي في المعادلة، بينما تتراجع قيمة التجربة الفنية نفسها؟

مرتضى الفتيتي لجريدة المساء: قرطاج ليس مقياس النجاح
إقرأ كذلك
مرتضى الفتيتي لجريدة المساء: قرطاج ليس مقياس النجاح
نشر يوم 2026-08-02

قرطاج ليست مجرد فضاء لإقامة الحفلات.

قرطاج تاريخ، وحضارة، ورمز ثقافي عالمي.

ومن المؤسف أن ينشغل الزائر أحيانًا بأسعار قارورة الماء أكثر مما ينشغل بجمالية المكان الذي يحتضن العرض. لدينا واحد من أجمل المسارح الأثرية في العالم، لكننا لم نستثمر بعد قيمته الحضارية كما ينبغي. فالمسارح الأثرية في قرطاج، ودقة، والجم، وسبيطلة، قادرة على أن تكون وجهات ثقافية متوسطية تستقطب الزوار من مختلف أنحاء العالم، لا مجرد فضاءات للعروض الموسمية.

في إسبانيا، لا يُسوَّق للحفل وحده، بل للمكان أيضًا. وفي اليونان، تُباع التجربة الثقافية بكل ما تحمله من تاريخ وحضارة. أما نحن، فما زلنا نكتفي ببيع تذكرة دخول، وقارورة ماء بأربعة دنانير، وسندويتش تونة بأربعة عشر دينارًا، ثم نعتبر أن الموسم الثقافي قد حقق النجاح. فالنجاح الثقافي لا يُقاس بعدد الحضور فقط، بل بما يخرج به المتفرج من تجربة إنسانية وجمالية.

أما إذا غادر وهو يتذكر ثمن قارورة الماء أكثر مما يتذكر تفاصيل السهرة، فذلك يعني أن الاقتصاد نجح في خطف الأضواء من الفن. وربما... كانت أكثر الأصوات حضورًا في تلك الليلة، ليست "عايشة" ولا "ديدي"، بل صوت قارورة ماء بقيت معلقة بين الرغبة في شرائها، وثمنٍ بدا أثقل من أن يُدفع.

الاختفاء في المطارات رياضة تونسية جديدة
إقرأ كذلك
الاختفاء في المطارات رياضة تونسية جديدة
نشر يوم 2026-08-30

أضف تعليق






اقرأ أيضا

تربية المواشي في فرنسا، الليموزين تتصدر المشهد

فرنسا تعرض آخر ابتكاراتها في مجال تربية المواشي

تستعد مدينة كليرمون فيراند الفرنسية لاحتضان دورة 2026 من قمة تربية المواشي، أحد ...

إقرأ المزيد
رواية عسكرية تفتح ملف التدخلات الخارجية في النيجر

محاولة انقلاب في النيجر: هذا ما حدث ليلة 28 أوت في نيامي

كشف النقيب روجر غابرييل، قائد سرية في الكتيبة الأولى للمظليين بالنيجر، تفاصيل جد...

إقرأ المزيد
ألمانيا وتونس: الهجرة أولًا والاقتصاد ثانيًا والطاقة في الخلفية

ماذا تنتظر ألمانيا من تونس؟

كشفت زيارة يوهان فاديفول وزير خارجية ألمانيا أولويات برلين أن ملفات الهجرة والأم...

إقرأ المزيد
مصر: طالبات مدرسة فرشوط تتألق في مسابقة أصدقاء المكتبة

مصر: تتويج ثقافي متميز في محافظة قنا

حققت مديرية التربية والتعليم بمحافظة قنا في مصر إنجازًا متميزًا على مستوى الجمهو...

إقرأ المزيد
قمة لواندا تعيد الصحراء الغربية إلى واجهة التوتر

إبراهيم غالي في لوندا، ملف الصحراء الغربية على طاولة القمة الافريقية

تتجه أنظار القارة الإفريقية اليوم إلى العاصمة الأنغولية لواندا، التي تحتضن قمة ا...

إقرأ المزيد
الاختفاء في المطارات رياضة تونسية جديدة

اختفاء أمين السعيدي في مطار روما، ذهب اللاعب ولم يعد

في تونس، يبدو أنّنا قررنا أن نوسّع مفهوم الألعاب المتوسطية، وأن نضيف إليها اختصا...

إقرأ المزيد
الأطباء الشبان يحذرون: أقسام الاستعجالي تحت ضغط غير مسبوق

الاستعجالي يختنق: الأطباء الشبان يطالبون بتحرك عاجل

أطلقت المنظمة التونسية للأطباء الشبان تحذيرًا بشأن الوضع داخل أقسام الاستعجالي ب...

إقرأ المزيد
النادي الصفاقسي : أسئلة مشروعة حول التكتيك وغياب التناغم

النادي الصفاقسي بين ضرورة وضوح الرؤية وهاجس غياب معلول

ماذا سيحدث للنادي الرياضي الصفاقسي إذا غاب اللاعب الدولي علي معلول، لا قدر الله،...

إقرأ المزيد
شاعر تونسي يحلق بقصائده في سماء الإبداع العربي

فتحي بالسعيدي تجربة شعرية ومسرحية تستحق الدعم والتشجيع

يواصل الشاعر التونسي فتحي بالسعيدي، أصيل مدينة القطار من ولاية قفصة، حضوره المتم...

إقرأ المزيد
العكازات والبصل وزيت المحركات ممنوعة الدخول إلى غزة

غزة، حين تصبح العكازات والزيت والبصل مواد محظورة

من العكازات والكراسي المتحركة إلى زيت المحركات والبصل.. قيود على دخول مواد أساسي...

إقرأ المزيد