وبعد نجاحها في إيقاف نزيف الدم وإتمام مصالحة تاريخية بين قبيلتي العرب والهوارة بنجع حمادي، تواجه النائبة وفاء رشاد موجة من الانتقادات والهجمات التي يرى مؤيدوها أنها تجاوزت حدود الاختلاف السياسي لتتحول إلى استهداف لدورها ومجهوداتها، وسط اتهامات باستغلال بعض الوقائع لتقويض إنجازها التاريخي. وأثار نجاح النائبة وفاء رشاد خلف الله، عضو مجلس الشيوخ المصري، في قيادة وإتمام صلح تاريخي بين قبيلتي العرب والهوارة بمنطقة النجاحية في نجع حمادي بمحافظة قنا، موجة من الجدل والانتقادات، سرعان ما امتدت إلى حملات هجوم عبر منصات التواصل الاجتماعي وبعض المنابر الإعلامية، في تطورات يرى متابعون أنها تستهدف التقليل من قيمة هذا الإنجاز ودور المرأة في معالجة النزاعات القبلية.
ويكتسب هذا الصلح أهمية استثنائية باعتباره تجربة غير مسبوقة تقودها امرأة وبرلمانية في بيئة يغلب عليها الطابع القبلي، حيث نجحت وفاء رشاد في المساهمة في إنهاء خلافات دامية وإيقاف نزيف الدم، بما أعاد الأمل في إمكانية تغليب لغة الحوار والتسامح على منطق الثأر والانتقام.
نجاح تاريخي يفتح باب الانتقادات
لم يكن الصلح الذي شهدته النجاحية بنجع حمادي مجرد مناسبة للمصالحة الاجتماعية، بل شكل محطة تاريخية في مسار جهود إيقاف الثأر بمحافظة قنا، بالنظر إلى طبيعة الأطراف المعنية وحجم الخلافات التي جرى احتواؤها. غير أن هذا النجاح، بحسب مقربين من النائبة ومتابعين لمسار القضية، لم يمر دون ردود فعل سلبية، إذ تحولت بعض الانتقادات إلى هجمات متواصلة تستهدف شخص وفاء رشاد، وسط اتهامات بوجود محاولات متعمدة لتهميش دورها والتقليل من حجم مساهمتها في إنجاز المصالحة. ويرى هؤلاء أن كونها امرأة تقود صلحًا قبليًا بهذا الحجم في صعيد مصر قد جعلها في مواجهة أشكال من التمييز والتنمر، تجاوزت حدود تقييم الأداء السياسي لتطال دور المرأة في المجال العام وقدرتها على قيادة مبادرات اجتماعية كبرى.
تصريحات غلاء الأسعار خارج سياقها
وفي سياق متصل، دخلت بعض التيارات السياسية والدينية، وفق روايات مؤيدي النائبة، على خط الهجوم، مستغلة تصريحات منسوبة إليها بشأن غلاء الأسعار وتحميل المواطنين تبعات ارتفاعها، رغم نفيها المتكرر لهذه التصريحات بصيغتها المتداولة. ويقول المدافعون عنها إن بعض العبارات جرى إخراجها من سياقها وتداولها بصورة مجتزأة، بما ساهم في تأجيج الجدل وتوسيع دائرة الانتقادات، في محاولة لربط اسمها بمواقف مثيرة للغضب الشعبي. كما أشاروا إلى تداول هذه المواد عبر منصات إعلامية وحسابات مرتبطة بتيارات سياسية مختلفة، معتبرين أن ذلك يعكس توظيفًا سياسيًا للجدل بهدف النيل من صورتها العامة.
مشادة عابرة تتحول إلى مادة للهجوم
ولم تتوقف الانتقادات عند التصريحات المتداولة، إذ جرى استغلال مشادة كلامية بين النائبة وفاء رشاد وأحد أعضاء لجنة المصالحات، وهي واقعة وصفها مقربون منها بأنها خلاف عابر كان من الممكن احتواؤه سريعًا.
لكن الحادثة تحولت إلى مادة إضافية للهجوم عليها، وسط اتهامات باستغلالها لتصفية حسابات سياسية وشخصية، ومحاولة إضعاف حضورها بعد النجاح الذي حققته في ملف المصالحة القبلية بنجع حمادي. ويرى مؤيدو النائبة أن التركيز على هذه الواقعة، بدلًا من تقييم النتائج التي تحققت على أرض الواقع، يعكس رغبة لدى بعض الأطراف في تحويل الأنظار عن الدور الذي لعبته في إنهاء نزاع قبلي وإعادة الاستقرار إلى المنطقة.
ملفات الزراعة والأسمدة.. خلفيات أخرى للهجوم؟
وفي قراءة أخرى لأسباب تصاعد الانتقادات، يربط بعض المقربين من وفاء رشاد بين الهجمات التي تتعرض لها وبين تحركاتها البرلمانية الأخيرة في ملفات الزراعة والأسمدة. وفقد أثارت مراسلاتها وخطاباتها الموجهة إلى وزارة الزراعة بشأن بعض التجاوزات والتلاعب في ملفات مرتبطة بالقطاع الزراعي، وفق ما يذكره مؤيدوها، انزعاج بعض أصحاب المصالح الذين وجدوا أنفسهم أمام تحركات رقابية تستهدف حماية حقوق الفلاحين وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه. وتتحدث هذه الأوساط عن ملف يتعلق بشبهات تجاوزات في منظومة الأسمدة، تتضمن مبالغ تصل إلى نحو 600 مليون جنيه، قالت إن الملف محل اهتمام الأجهزة الرقابية، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن احتمال ارتباط بعض المصالح المتضررة بحملات الانتقاد المتصاعدة ضد النائبة.
وتظل هذه الاتهامات بحاجة إلى أدلة مستقلة وتوضيحات رسمية، غير أن طرحها يعكس وجود قناعة لدى أنصار وفاء رشاد بأن الهجوم عليها لا يرتبط فقط بمواقفها وتصريحاتها، بل قد يمتد إلى ملفات أخرى أثارت حساسيات لدى بعض الأطراف.
هل تتحول المصالحة التاريخية إلى معركة سياسية؟
وبينما تتواصل الانتقادات والهجمات، يبقى الصلح الذي شهدته النجاحية بنجع حمادي حدثًا اجتماعيًا مهمًا، بالنظر إلى ما يمثله من خطوة نحو وقف الثأر وترسيخ ثقافة التسامح في مجتمع عانى طويلًا من النزاعات القبلية. كما يعيد الجدل الدائر حول النائبة وفاء رشاد طرح قضية أوسع تتعلق بمكانة المرأة في الحياة السياسية والاجتماعية، ومدى تقبل بعض الأوساط لدورها في قيادة مبادرات كبرى كانت تقليديًا حكرًا على الرجال. وفي انتظار اتضاح مختلف جوانب هذا الجدل، تبدو مصالحة النجاحية اختبارًا حقيقيًا ليس فقط لنجاح جهود إيقاف الثأر، بل أيضًا لقدرة المجتمع على الاعتراف بالإنجازات بعيدًا عن الحسابات السياسية والشخصية، وتقييم المبادرات وفق نتائجها وما تحققه من أمن واستقرار وحماية للأرواح.
ويظل إيقاف الدماء وإنهاء الخصومات القبلية إنجازًا اجتماعيًا يستحق التقدير، فيما تبقى الانتقادات والمواقف السياسية حقًا مشروعًا، شريطة ألا تتحول إلى حملات تشهير أو تمييز، وأن تستند إلى الوقائع والأدلة بعيدًا عن الاستهداف الشخصي.