لا تزال التجارب النووية الفرنسية التي أُجريت في الصحراء الجزائرية خلال الحقبة الاستعمارية تلقي بظلالها على العلاقات بين الجزائر وباريس، بعد عقود من استقلال الجزائر سنة 1962. وفي تطور جديد يعيد ملف الذاكرة الاستعمارية إلى واجهة التوترات الثنائية، اتهمت وزارة الدفاع الجزائرية، يوم الأحد 1 نوفمبر 2026، فرنسا بالتهرب من مسؤوليتها القانونية والجنائية بشأن النفايات النووية التي خلفتها تجاربها في مناطق الجنوب الجزائري. وبحسب التصريح المنسوب إلى وزارة الدفاع الجزائرية، فإن باريس ترفض تسليم الجزائر السجلات والخرائط المتعلقة بمواقع دفن النفايات النووية في منطقتي إن إكر ورقان، وهو ما تعتبره الجزائر عرقلة لكشف حقيقة هذه المواقع وتحديد أماكن المواد المشعة التي خلفتها التجارب الفرنسية. ويكتسي هذا الاتهام أهمية خاصة، لأنه لا يتعلق فقط بملف تاريخي يعود إلى فترة الاستعمار، بل بقضية تتصل بالبيئة والصحة العامة وحق السكان في معرفة المخاطر التي قد تهدد مناطقهم، فضلاً عن المسؤولية القانونية عن آثار التجارب النووية.
من الاحتلال إلى التجارب النووية: تاريخ طويل من الخلافات
لفهم خلفيات هذا النزاع، لا بد من العودة إلى تاريخ العلاقات الفرنسية الجزائرية، التي اتسمت منذ بدايتها بصراع طويل على الأرض والسيادة والهوية والذاكرة. فقد بدأ الاحتلال الفرنسي للجزائر سنة 1830، واستمر 132 عاماً، شهدت خلالها البلاد تحولات عميقة ومقاومة شعبية متواصلة، قبل اندلاع ثورة التحرير في 1 نوفمبر 1954. وبعد حرب دامية استمرت أكثر من سبع سنوات، توصل الطرفان إلى اتفاقيات إيفيان في 18 مارس 1962، التي مهدت لاستقلال الجزائر في 5 يوليو من السنة نفسها. غير أن الاستقلال لم ينهِ جميع الملفات العالقة بين البلدين. فقد احتفظت فرنسا، بموجب الترتيبات المنصوص عليها في اتفاقيات إيفيان، بحق استخدام بعض المنشآت والمواقع العسكرية في الصحراء الجزائرية لمواصلة تجاربها النووية لفترة انتقالية. وكانت فرنسا قد اختارت الصحراء الجزائرية لتكون ميداناً لتطوير قدراتها النووية، في إطار سعيها إلى امتلاك قوة ردع استراتيجية تضمن لها مكانة بين القوى الكبرى خلال الحرب الباردة.
وفي 13 فبراير 1960، أجرت فرنسا أول تفجير نووي لها في منطقة رقان بولاية أدرار، تحت اسم «اليربوع الأزرق» (Gerboise Bleue)، لتدخل بذلك النادي النووي العالمي. وتواصلت التجارب في الصحراء، حيث شهدت منطقتا رقان وإن إكر، قرب تمنراست، سلسلة من التفجيرات النووية التي امتدت إلى سنة 1966.
وبحسب المعطيات الرسمية الفرنسية، بلغ عدد التجارب النووية المنفذة في الجزائر 17 تجربة، منها أربع تجارب جوية في رقان و13 تجربة تحت الأرض في إن إكر.
وكانت تجربة «بيريل» (Béryl)، التي أجريت في 1 مايو 1962 بمنطقة إن إكر، من أبرز المحطات في هذا الملف، إذ لم يتم احتواء الانبعاثات الإشعاعية بشكل كامل، وتسربت مواد مشعة إلى المحيط الخارجي، ما أثار مخاوف بشأن تعرض العسكريين والعمال والسكان المحليين للإشعاعات. وتشير شهادات وتقارير تاريخية إلى أن عمليات تفكيك المنشآت الفرنسية لم تخلّف وراءها المواقع فقط، بل شملت أيضاً دفن معدات ومواد ملوثة، من بينها آليات وملابس وأدوات استُخدمت في التجارب، وهو ما جعل مسألة تحديد مواقع هذه المخلفات وتأمينها قضية مستمرة إلى اليوم.
الذاكرة الاستعمارية تعقّد العلاقات بين باريس والجزائر
لم تكن التجارب النووية سوى أحد الملفات التي ظلت تؤثر في العلاقات بين البلدين بعد الاستقلال. فقد ظلت قضايا الذاكرة الاستعمارية والاعتراف بالانتهاكات والتعويضات والأرشيف التاريخي من أبرز نقاط الخلاف بين الجزائر وفرنسا. وتجددت التوترات في مناسبات عديدة، خصوصاً مع مطالبة الجزائر فرنسا بتقديم اعترافات أوضح بماضيها الاستعماري، وفتح الأرشيف المتعلق بحرب التحرير، والكشف عن مصير المفقودين، ومعالجة آثار التجارب النووية.
وفي المقابل، ظلت باريس تتعامل مع هذه المطالب ضمن مقاربات سياسية وقانونية مختلفة، شهدت بعض محاولات التقارب، لكنها لم تؤد إلى تسوية شاملة للملفات التاريخية.
ومن بين المحطات المهمة في هذا السياق، إنشاء مجموعة عمل مشتركة بين البلدين سنة 2008 لدراسة إعادة تأهيل مواقع التجارب النووية القديمة في الصحراء، مع إعطاء الأولوية لحماية السكان والبيئة. كما أعادت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الجزائر في أغسطس 2022 طرح ملف الذاكرة والتعاون الثنائي، حيث قالت الحكومة الفرنسية إنها سلمت الرئيس عبد المجيد تبون ملفاً يضم الخرائط والمعلومات المتوفرة لديها بشأن النفايات المدفونة والمناطق المتأثرة بالإشعاعات.
وهنا تبرز نقطة الخلاف الحالية: فبينما تؤكد الرواية الرسمية الفرنسية أنها قدمت ما لديها من وثائق ومعلومات، تتهم وزارة الدفاع الجزائرية باريس اليوم برفض تسليم السجلات والخرائط الضرورية لتحديد مواقع دفن النفايات المشعة. وهو تناقض يستدعي توضيح طبيعة الوثائق التي تم تسليمها سنة 2022، ومدى شمولها للتفاصيل التقنية المطلوبة حالياً.
الجزائر تبدأ عملية جديدة لتطهير المواقع النووية
وفي سياق هذه المواجهة التاريخية، أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية، الأحد 1 نوفمبر 2026، انطلاق العملية الثانية لتطهير موقع نفق التجارب النووية «بيريل 2E» بمنطقة إن إكر في ولاية تمنراست، من النفايات المشعة. وتُنفذ العملية بإشراف وزارة الدفاع الوطني وبالتنسيق مع الوكالة الوطنية لإعادة تأهيل المواقع القديمة للتجارب والتفجيرات النووية الفرنسية في جنوب الجزائر، بالاعتماد على الكفاءات والإمكانات الوطنية. وأكدت الوزارة أن العملية تتطلب إمكانات بشرية وتقنية ولوجستية كبيرة، بالنظر إلى طبيعة المواد المشعة والمخاطر المرتبطة بالتعامل معها، مشيرة إلى أن الأشغال تشمل تحديد المناطق الملوثة، وتجميع النفايات النووية، ثم تخزينها في حاويات خرسانية مخصصة، مع الالتزام بشروط السلامة والمعايير الدولية. ويأتي إطلاق هذه العملية بالتزامن مع إحياء الذكرى الثانية والسبعين لاندلاع الثورة التحريرية الجزائرية، في دلالة سياسية ورمزية تربط بين معركة الاستقلال واستمرار المطالبة بمعالجة مخلفات الحقبة الاستعمارية.
ملف يتجاوز الخلاف الدبلوماسي إلى المسؤولية البيئية والقانونية
لا يتعلق النزاع بين الجزائر وفرنسا بمجرد خلاف حول وثائق تاريخية أو أرشيف عسكري، بل يتصل بقضية ذات أبعاد بيئية وصحية وإنسانية، بالنظر إلى استمرار المخاوف من وجود مواد مشعة في مناطق واسعة من الصحراء الجزائرية. كما أن غياب الخرائط التفصيلية لمواقع دفن النفايات يجعل عمليات التطهير وإعادة تأهيل الأراضي أكثر تعقيداً، ويطرح تساؤلات حول مدى إمكانية تحديد جميع المناطق المتضررة وضمان سلامة السكان والعمال والبيئة المحيطة. وقد عاد الملف إلى النقاش داخل المؤسسات الفرنسية نفسها، إذ نشرت الجمعية الوطنية الفرنسية في 8 سبتمبر 2026 جواباً حكومياً عن سؤال برلماني بشأن آثار التجارب النووية في الجزائر. وأكدت الحكومة الفرنسية أن 17 تجربة أجريت بين 1960 و1966، كما تحدثت عن المعلومات والخرائط التي قالت إنها سلمتها إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وعن الملف الذي قدمه ماكرون للرئيس تبون سنة 2022.
وتكشف هذه المعطيات أن الخلاف لا يدور فقط حول الاعتراف بوقوع التجارب أو وجود مخلفاتها، وإنما حول مدى اكتمال المعلومات المتاحة، ومسؤولية معالجة المواقع المتضررة، والحقوق المرتبطة بالضحايا والسكان الذين عاشوا في محيط تلك التجارب. وبذلك، يعود الملف النووي ليكون أحد أبرز عناوين الصراع التاريخي بين الجزائر وفرنسا، حيث لم يعد الماضي الاستعماري مجرد ذاكرة سياسية تستحضرها المناسبات الوطنية، بل تحول إلى قضية حاضرة تتعلق بالأرض والبيئة والصحة والعدالة، وتضع العلاقات بين البلدين أمام اختبار جديد.