عاجل
اقتصاد

دبي: حين يتحول هوس البناء إلى أزمة شغور عقاري

أبراج فاخرة بلا سكان وشبح الشغور يهدد دبي
أبراج فاخرة بلا سكان وشبح الشغور يهدد دبي

أبراج فاخرة بلا سكان وشبح الشغور يهدد دبي

تواجه دبي تساؤلات متزايدة بشأن التوسع العقاري المفرط، مع مؤشرات على شغور بعض الفلل الفاخرة والأبراج المكتبية والشقق الراقية. وبعد سنوات من المشاريع العملاقة والارتفاع المتواصل في وتيرة البناء، يبرز تحدي تحقيق التوازن بين العرض والطلب وضمان استدامة الاستثمارات العقارية.
كتب : نذير عزوز / تونس - المساء
⏱ 5 دقائق للقراءة 📊 إحصائيات
دبي تواجه تحديات الشغور العقاري بعد سنوات من البناء المفرط، وسط تساؤلات حول مستقبل الأبراج الفاخرة وتوازن العرض والطلب في السوق.
🔔
اشترك في التنبيهات
آخر الأخبار فور نشرها مباشرة على هاتفك
📱

تنبيهات فورية

لم تعد دبي، التي طالما قدمت نفسها بوصفها مدينة المستقبل ووجهة الاستثمار العقاري الأكثر بريقًا في العالم، بمنأى عن تداعيات التوسع العمراني المفرط. فبعد عقود من البناء المتواصل، واستراتيجية قائمة على تشييد المشاريع العملاقة واستقطاب المستثمرين والسكان، بدأت تظهر مؤشرات تثير التساؤلات بشأن قدرة السوق على استيعاب الكم الهائل من العقارات التي أُنجزت أو ما تزال قيد التطوير. ولسنوات طويلة، اعتمدت الإمارة شعارًا غير معلن مفاده أن البناء سيجلب السكان والمستثمرين تلقائيًا. ونجحت بالفعل في تحويل هذا التصور إلى واقع ملموس، من خلال مشاريع استثنائية أصبحت رموزًا عالمية، على غرار برج خليفة، أعلى مبنى في العالم، وجزيرة نخلة جميرا التي تحتضن فنادق فاخرة وآلاف الوحدات السكنية، إلى جانب مراكز التسوق العملاقة والمرافق السياحية التي استهدفت استقطاب الزوار من مختلف أنحاء العالم.

كما عززت دبي مكانتها عبر إنشاء مشاريع ترفيهية ومعمارية ضخمة، من بينها عجلة «عين دبي»، التي صُممت لتكون الأكبر من نوعها عالميًا، ومراكز تجارية ضخمة، ومطار متطور، فضلًا عن موجة متواصلة من ناطحات السحاب والأبراج السكنية والمكتبية. وبين عامي 2014 و2024، اكتمل تشييد أكثر من أربعين ناطحة سحاب يبلغ ارتفاع الواحدة منها نحو 300 متر، في مؤشر واضح على حجم الطموح العمراني الذي ميز الإمارة خلال العقد الماضي.

فائض العرض يضع السوق أمام اختبار صعب

غير أن سباق البناء الذي منح دبي شهرتها العالمية بدأ يطرح تحديات جديدة، خصوصًا مع ظهور مؤشرات على اتساع الفجوة بين العرض العقاري والطلب الفعلي. فبعد سنوات من المضاربة والشراء المحموم، باتت بعض المباني المكتبية والشقق الفاخرة تواجه صعوبات في استقطاب المستأجرين أو المشترين، فيما تتحدث تقديرات عن وجود نسبة معتبرة من الفلل الفاخرة غير المأهولة في نخلة جميرا، بعضها يحتاج إلى أعمال صيانة رغم قيمته المرتفعة.

وتشير تقديرات متداولة إلى أن نحو 28 بالمائة من الفلل الفاخرة في الجزيرة قد تكون شاغرة، وهو رقم يعكس، إذا تأكدت دقته، حجم التحديات التي يمكن أن تواجه سوق العقارات الفاخرة عندما يتجاوز البناء حاجات السوق الحقيقية. ولا يقتصر الأمر على الوحدات السكنية، إذ تتردد تقارير عن وجود طوابق ومساحات مكتبية في بعض الأبراج الحديثة لم تستقطب مستأجرين، في وقت تتواصل فيه مشاريع البناء والتطوير بوتيرة لافتة.

مشاريع عملاقة لا تكفي وحدها لضمان النجاح

حتى بعض المعالم التي ارتبط اسمها ببريق دبي واجهت بدورها فترات من التعثر. فقد أغلقت عجلة «عين دبي» أبوابها في مارس 2022، قبل أن تعود إلى العمل في ديسمبر 2024، بعد فترة طويلة من التوقف. أما مراكز التسوق العملاقة، وعلى رأسها دبي مول، فتواصل استقطاب أعداد كبيرة من الزوار، لكن تجربة التسوق لم تعد بالضرورة تعني ارتفاع حجم الإنفاق. فالكثير من الزائرين يتجولون داخل هذه الفضاءات الضخمة، ويلتقطون الصور، أو يستفيدون من التكييف هربًا من درجات الحرارة المرتفعة، دون أن يتحول حضورهم دائمًا إلى عمليات شراء فعلية.

وتطرح هذه الظاهرة تساؤلات حول الفارق بين نجاح المشاريع في جذب الزوار وتحقيقها مردودية اقتصادية مستدامة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر باستثمارات ضخمة تتطلب إيرادات متواصلة لتغطية تكاليف التشغيل والصيانة.

الفنادق الفاخرة تحت ضغط التوقعات

أزمة الكراء في تونس، الشباب أمام عقبة السكن والزواج
إقرأ كذلك
أزمة الكراء في تونس، الشباب أمام عقبة السكن والزواج
نشر يوم 2026-11-05

ويمتد الجدل إلى قطاع الضيافة الفاخرة، الذي شكل أحد أبرز أعمدة النمو السياحي في دبي.

فالفنادق التي تعتمد على الأسعار المرتفعة والخدمات الاستثنائية تجد نفسها أمام ضرورة المحافظة على نسب إشغال كافية لضمان استدامة أعمالها. وفي هذا السياق، أُعلن عن إغلاق فندق أرماني دبي، الواقع داخل برج خليفة، في الأول من أفريل 2026، تحت عنوان التجديد الشامل، وفق المعطيات الواردة في التقرير. وتحدثت تقديرات عن تسجيل الفندق نسبة إشغال تقل عن 55 بالمائة، رغم أن أسعار الغرف كانت تتراوح بين ألف و15 ألف دولار لليلة الواحدة. وتسلط هذه الأرقام الضوء على التحديات التي قد تواجه بعض المنشآت الفاخرة، عندما لا تتناسب تكاليف التشغيل ومستويات الأسعار مع حجم الطلب الفعلي، حتى في وجهة سياحية ذات شهرة عالمية.

هل بدأ المستثمرون إعادة النظر في جاذبية دبي؟

لا تتوقف التحديات عند الأرقام العقارية أو نسب الإشغال، بل تتصل أيضًا بصورة دبي نفسها في أعين المستثمرين والزوار. فبعد سنوات من الترويج لمشاريع «الأكبر» و«الأطول» و«الأفخم»، بدأ بعض المتابعين يتساءلون عما إذا كانت هذه المقومات كافية وحدها للحفاظ على جاذبية المدينة على المدى الطويل. وتبرز في هذا السياق عوامل طبيعية ومناخية لا يمكن تجاهلها. فدبي تقع في منطقة صحراوية ذات مناخ شديد الحرارة، حيث تتجاوز درجات الحرارة خلال أشهر الصيف الأربعين درجة مئوية بانتظام، وقد تقترب في بعض الفترات من الخمسين درجة، بينما تجعل الرطوبة المرتفعة الإحساس بالحرارة أكثر قسوة.

وتفرض هذه الظروف اعتمادًا واسعًا على التكييف، وتحد من الأنشطة الخارجية خلال فترات طويلة من السنة، وهو ما ينعكس على نمط الحياة وتكاليف التشغيل واستهلاك الطاقة. كما أن البيئة الطبيعية المحيطة بالمدينة، رغم ما توفره من إمكانات للسياحة الصحراوية، لا تقدم التنوع المناخي أو الطبيعي الذي تتميز به بعض الوجهات السياحية الأخرى. وحتى الشواطئ، التي تمثل عنصرًا مهمًا في الجاذبية السياحية، تختلف طبيعتها عن شواطئ البحر المتوسط أو جزر المالديف، سواء من حيث حرارة المياه أو خصائصها.

من مدينة الأحلام إلى ضرورة مراجعة نموذج النمو

لا يعني الحديث عن شغور بعض العقارات أو تعثر بعض المشاريع أن دبي فقدت مكانتها الاقتصادية والسياحية، أو أن سوقها العقارية دخلت بالضرورة مرحلة انهيار. فالمدينة ما تزال مركزًا مهمًا للأعمال والاستثمار والسياحة، وتتمتع ببنية تحتية متطورة وقدرة كبيرة على استقطاب الشركات والأفراد. لكن التجربة تطرح سؤالًا جوهريًا حول حدود النمو القائم على التوسع العمراني المتواصل، ومدى قدرة السوق على استيعاب مشاريع تتزايد أحجامها وقيمتها بوتيرة قد تتجاوز الطلب الحقيقي. فالتحدي الذي تواجهه دبي اليوم لا يتعلق فقط بقدرتها على بناء المزيد من الأبراج والمجمعات الفاخرة، وإنما بمدى قدرتها على ضمان إشغالها وتحقيق عوائد مستدامة منها، والمحافظة على توازن بين الاستثمار العقاري والحاجات الفعلية للسكان والزوار.

وبينما ظلت فلسفة «ابنِ وسيأتون» عنوانًا لمرحلة طويلة من النجاح، فإن المرحلة المقبلة قد تتطلب معادلة مختلفة، عنوانها: ابنِ وفق الطلب، ووازن بين الطموح العمراني والجدوى الاقتصادية. ففي عالم الاستثمار، لا تكفي ضخامة المباني ولا ارتفاع الأبراج لإثبات النجاح، بل تبقى القيمة الحقيقية لأي مشروع مرتبطة بقدرته على جذب المستخدمين، وتحقيق الاستدامة، والاستجابة لحاجات السوق بعيدًا عن بريق الأرقام القياسية.

حمدي سالمان يدعو إلى منصة مصرية لمواجهة الشائعات
إقرأ كذلك
حمدي سالمان يدعو إلى منصة مصرية لمواجهة الشائعات
نشر يوم 2026-11-05

أضف تعليق






اقرأ أيضا

كندا تعلن التحدي الاقتصادي في وجه الولايات المتحدة

كندا تعيد السيادة الاقتصادية في مواجهة الهيمنة الأمريكية

تواجه كندا الهيمنة الاقتصادية الأمريكية بميزانية 2026 وبشعار «سادة في بيتنا»، وت...

إقرأ المزيد
حزب الليكود في المغرب يتجاوز حدود التطبيع؟

المغرب: مشروع حزب الليكود يثير جدلا سياسياً ودستورياً

المغرب يشهد جدلاً بعد إيداع طلب تأسيس حزب باسم الليكود بمرجعية يهودية، وسط اعترا...

إقرأ المزيد
نائبة مصرية في مرمى الانتقادات بعد صلح بين القبائل

حملات انتقادات تستهدف وفاء رشاد عقب نجاحها في قيادة صلح تاريخي

تواجه النائبة المصرية وفاء رشاد انتقادات وحملات هجوم عقب نجاحها في قيادة صلح تار...

إقرأ المزيد
أزمة الكراء في تونس، الشباب أمام عقبة السكن والزواج

الكراء في تونس يلهم الأجور ومطالب بتدخل عاجل

أزمة الكراء في تونس تتفاقم مع ارتفاع أسعار السكن واستنزاف الأجور، وسط مطالب بتسق...

إقرأ المزيد
حمدي سالمان يدعو إلى منصة مصرية لمواجهة الشائعات

حمدي سالمان يحذر : ألف حساب وهمي قادر على قلب الرأي العام

حمدي سالمان يدعو إلى منصة مصرية لمواجهة الحسابات الوهمية والشائعات، ويطالب بتنظي...

إقرأ المزيد
بنزرت: ملتقى عربي يجمع رواد القصيدة والأصوات الشابة

بنزرت تحتفي بالشعر الملحون وبالتراث والإبداع

تستعد ولاية بنزرت لاحتضان الدورة الخامسة من الملتقى العربي للشعر الملحون أيام 6 ...

إقرأ المزيد
عبد الرحمن السيد، مسلم يفوز بمقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي

عبد الرحمن السيد، أول مسلم يفوز بمقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي

عبد الرحمن السيد، الطبيب الأمريكي من أصول مصرية، يصنع التاريخ بفوزه بمقعد في مجل...

إقرأ المزيد
قنا المصرية: فقدت ابنها الوحيد فرضفت الانتقام

أماني أبو سحلي، أمٌّ رفضت الثأر لابنها الوحيد، فاختارت أن تنقذ أبناء الآخرين من الموت

أماني أبو سحلي، الأم والنائبة الراحلة من قنا، فقدت ابنها الوحيد في حادث ثأري لكن...

إقرأ المزيد
التجارب النووية الفرنسية في الجزائر، أزمة جديدة مع فرنسا

النفايات النووية في الجزائر، جرح التجارب الاستعمارية يعود إلى الواجهة

تتهم الجزائر فرنسا بالتهرب من مسؤوليتها عن النفايات النووية في رقان وإن إكر، وتط...

إقرأ المزيد
كيف يشتغل المجلس الوطني لتنظيم الأحكام التشريعية والترتيبية؟

المجلس الوطني لتنظيم الأحكام التشريعية والترتيبية، أين حصيلة الإصلاح؟

تساؤلات حول أداء المجلس الوطني لتنظيم الأحكام التشريعية في تونس، في ظل غياب حصيل...

إقرأ المزيد