وأثارت مبادرة لتأسيس حزب سياسي في المغرب يحمل اسم «حزب الوحدة» بالعربية و«الليكود» بالعبرية، موجة واسعة من الجدل السياسي والدستوري، وسط تساؤلات بشأن خلفياتها وعلاقتها بمسار التطبيع المغربي الإسرائيلي، خاصة أن الاسم العبري يحيل مباشرة إلى حزب الليكود الإسرائيلي الذي يقوده بنيامين نتنياهو. وتأتي هذه المبادرة في سياق سياسي حساس، منذ إعلان المغرب استئناف علاقاته مع إسرائيل في ديسمبر 2020، مقابل اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المملكة على الصحراء الغربية، وهو الاتفاق الذي فتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون السياسي والأمني والاقتصادي بين الرباط وتل أبيب، لكنه أثار في المقابل اعتراضات واسعة داخل الأوساط الشعبية والسياسية المغربية.
مراسلة إلى وزارة الداخلية تثير العاصفة
بدأت القضية مع تداول وثيقة تتعلق بمبادرة لتأسيس حزب سياسي تحت اسم «حزب الوحدة ذو الأسس الديمقراطية والمرجعية اليهودية»، مع إدراج اسم «الليكود» باللغة العبرية في رأس الوثيقة. وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الحسين بنمسعود، الذي قال إنه يتحدث باسم التنسيقية التأسيسية للحزب، أودع مراسلة لدى مكتب الضبط المركزي بوزارة الداخلية المغربية يوم 3 نوفمبر 2026، وتسلم وصلاً يفيد باستلامها. وقد استند أصحاب المبادرة، وفق الوثيقة المتداولة، إلى مقتضيات الدستور المغربي، وإلى الصفة الدينية للملك محمد السادس باعتباره «أمير المؤمنين»، فضلاً عن استحضار اتفاق استئناف العلاقات مع إسرائيل والموقف الأمريكي بشأن مغربية الصحراء. غير أن الوثيقة، التي انتشرت على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لم تكن كافية لإثبات قيام حزب سياسي بصورة قانونية، وهو ما زاد من غموض المبادرة وأثار تساؤلات بشأن طبيعة أهدافها والجهات التي تقف وراءها.
«الليكود» المغربي.. دلالة سياسية تتجاوز مجرد الاسم
لم يكن اختيار اسم «الليكود» بالعبرية تفصيلاً عابراً في هذه المبادرة، إذ يحمل الاسم دلالات سياسية واضحة، بالنظر إلى ارتباطه بحزب بنيامين نتنياهو، أحد أبرز الأحزاب اليمينية الإسرائيلية، والمعروف بمواقفه المتشددة تجاه القضية الفلسطينية. ويطرح اعتماد هذه التسمية تساؤلات بشأن الرسائل السياسية التي يسعى أصحاب المبادرة إلى إيصالها، وما إذا كانت مجرد محاولة لإبراز الهوية اليهودية لبعض المغاربة، أم أنها تعكس توجهاً نحو استنساخ نموذج سياسي إسرائيلي داخل المغرب. ورغم التشابه الواضح في الاسم، لا تتوفر معطيات موثقة تثبت وجود ارتباط تنظيمي أو مؤسساتي بين المبادرة المغربية وحزب الليكود الإسرائيلي.
اعتراضات على توظيف الدين في السياسة
وقد أثارت المبادرة انتقادات من شخصيات مغربية، اعتبرت أن توظيف المرجعيات الدينية والثقافية في مشاريع سياسية مرتبطة بالتطبيع يطرح إشكالات تتجاوز حدود تأسيس حزب جديد. وحذر أحمد ويحمان، رئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع، من استخدام الهويات الدينية والثقافية في مشاريع سياسية مرتبطة بالتطبيع، معتبراً أن المبادرة تستدعي التساؤل بشأن خلفياتها وأهدافها. من جهته، أثار الباحث المغربي إدريس الكنبوري إشكالية استناد أصحاب المبادرة إلى مفهوم «أمير المؤمنين»، موضحاً أن هذا المفهوم يرتبط بضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية لجميع المواطنين، ولا يعني نقل المؤسسة الدينية الإسلامية أو توسيع اختصاصاتها لتشمل المرجعيات الدينية الأخرى.
ويعيد هذا النقاش إلى الواجهة مسألة التمييز بين ضمان الحقوق الدينية للمواطنين المغاربة، وبين توظيف الدين باعتباره أساساً للانتماء السياسي والحزبي.
الدستور المغربي يحسم مسألة الأحزاب ذات المرجعية الدينية
وعلى المستوى القانوني، ينص الفصل السابع من الدستور المغربي بوضوح على أنه لا يمكن تأسيس الأحزاب السياسية على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جهوي، أو على أي أساس تمييزي أو مخالف لحقوق الإنسان. كما يؤكد القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية بطلان تأسيس أي حزب يقوم على أساس ديني أو عرقي أو لغوي أو جهوي. ويعني ذلك أن حق المواطنين المغاربة اليهود في المشاركة السياسية والانخراط في الأحزاب القائمة لا يطرح إشكالاً من حيث المبدأ، باعتبارهم جزءاً من المجتمع المغربي، لكن تأسيس حزب يجعل المرجعية الدينية أساساً لهويته السياسية يثير إشكالية دستورية واضحة.
السلطات المغربية تنفي الطابع القانوني للمبادرة
ومع اتساع الجدل، نقلت وسائل إعلام مغربية، يوم 4 نوفمبر، عن مصادر مطلعة أن الوثيقة المتداولة لا تمثل تصريحاً قانونياً بتأسيس حزب سياسي، وإنما مجرد مراسلة من صفحة واحدة، وقعها شخص واحد وأودعها لدى وزارة الداخلية. وأكدت المصادر ذاتها أن تسلم وصل إيداع المراسلة لا يعني قبول الطلب أو الاعتراف بالحزب، ولا يترتب عنه أي أثر قانوني يتعلق بتأسيس تنظيم سياسي. وشددت على أن التشريع المغربي يمنع بصورة صريحة تأسيس الأحزاب على أساس ديني، وهو ما يجعل الحديث عن قيام حزب سياسي بمرجعية يهودية سابقة لأوانه. وبذلك، فإن ما يجري تداوله لا يتعلق، وفق المعطيات المتاحة، بحزب حصل على ترخيص رسمي، وإنما بمبادرة أثارت جدلاً واسعاً قبل أن تتضح طبيعتها القانونية والسياسية.
التطبيع المغربي الإسرائيلي.. إلى أين؟
ولا يمكن فصل الجدل الحالي عن التحولات التي شهدتها العلاقات المغربية الإسرائيلية منذ استئنافها، وما رافقها من توسع في التعاون السياسي والأمني والاقتصادي، إلى جانب زيارات متبادلة لمسؤولين من الجانبين. كما أن قضية استعادة بعض اليهود المغاربة المقيمين في إسرائيل لممتلكات أو حقوق عقارية بالمغرب، وما أثير بشأن نزاعات على مساكن وأراضٍ، أعادت إلى الواجهة أسئلة حساسة حول حقوق الملكية، والعدالة القانونية، وحدود تأثير العلاقات الخارجية على الملفات الداخلية. وفي ظل استمرار الحرب على غزة وتصاعد الانتقادات الشعبية للتطبيع، تكتسب أي مبادرة تحمل اسم حزب إسرائيلي أو مرجعية دينية مرتبطة به حساسية مضاعفة داخل المغرب. وبينما لا تزال حقيقة المبادرة ومآلها القانوني غير محسومين، فإن الجدل الذي أثارته يكشف عن استمرار الانقسام المغربي بشأن التطبيع، وعن المخاوف من انتقال تداعياته من المجال الدبلوماسي والاقتصادي إلى المجال السياسي والمؤسساتي. ويبقى السؤال المطروح: هل نحن أمام مبادرة فردية هدفها إثارة الانتباه، أم محاولة لاختبار حدود المسموح دستورياً وسياسياً في المغرب بعد خمس سنوات من استئناف العلاقات مع إسرائيل.