وفي ظل تصاعد الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، اختارت الحكومة الكندية برئاسة مارك كارني أن تجعل من ميزانية 2026 أكثر من مجرد وثيقة مالية، بل مشروعًا لإعادة صياغة العلاقة الاقتصادية مع واشنطن، وتعزيز استقلالية القرار الكندي، وترسيخ شعار «Maîtres chez nous» أو «سادة في بيتنا»، الذي يحمل في الذاكرة السياسية الكندية، وخاصة في كيبيك، دلالات السيادة على الثروات والقرار الوطني.
وكشفت الحكومة الكندية، يوم 5 نوفمبر 2026، عن ميزانيتها الجديدة تحت عنوان «Masters of our destiny» أو «سادة مصيرنا»، في خطوة تعكس إرادة سياسية واضحة للتعامل مع التحولات التي فرضتها الإدارة الأمريكية، خصوصًا بعد تصاعد الرسوم الجمركية والضغوط التجارية التي استهدفت قطاعات واسعة من الاقتصاد الكندي.
حرب تجارية تعيد رسم العلاقة بين أوتاوا وواشنطن
لم تعد العلاقات الاقتصادية بين كندا والولايات المتحدة تسير وفق قواعد الشراكة التقليدية التي حكمتها لعقود. فسياسة الرسوم الجمركية التي انتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وما رافقها من تهديدات وإجراءات تجارية أحادية، دفعت أوتاوا إلى إعادة النظر في اعتمادها الكبير على السوق الأمريكية.
وتكتسب هذه المواجهة أهمية استثنائية بالنظر إلى الترابط العميق بين الاقتصادين، إذ تمثل الولايات المتحدة الوجهة الرئيسية للصادرات الكندية، فيما تعتمد قطاعات صناعية وتجارية عديدة على سلاسل إنتاج مشتركة تمتد عبر الحدود. وقد اتخذت المواجهة منحى أكثر حدة مع إعلان واشنطن فرض رسوم إضافية على منتجات كندية، من بينها رسوم بنسبة 50 بالمائة على مجموعة من السلع، الأمر الذي دفع الحكومة الكندية إلى اتخاذ إجراءات مضادة لحماية صناعاتها ومؤسساتها وعمالها.
ولم يقتصر رد كندا على المعاملة بالمثل في المجال الجمركي، بل امتد إلى مراجعة استراتيجية الانفتاح الاقتصادي، والبحث عن أسواق جديدة، وتقليص الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة، في محاولة لتحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء الاقتصاد الوطني على أسس أكثر استقلالية.
ميزانية السيادة.. استثمارات ضخمة لمواجهة الضغوط الأمريكية
تضع ميزانية 2026 الاستثمار والإنتاجية وتنويع التجارة في صدارة الأولويات، مع تخصيص نحو 142.1 مليار دولار كندي في الإنفاق والحوافز على مدى سنوات، بهدف دعم الاستثمارات والبنية التحتية والابتكار والقدرة التنافسية. وتراهن الحكومة على تحفيز دورة استثمارية واسعة، تشمل الطاقة والصناعات الاستراتيجية والموارد الطبيعية والتكنولوجيا، إلى جانب تعزيز الشركات الكندية وتمكينها من التوسع في الأسواق الدولية.
ومن أبرز توجهات الميزانية:
تخصيص نحو 400 مليار دولار كندي للاستثمارات الرأسمالية خلال ست سنوات.
دعم الابتكار والاستثمارات الصناعية بهدف تعزيز الإنتاجية والقدرة التنافسية.
تعزيز البنية التحتية والطاقة، بما في ذلك الكهرباء والطاقة النووية والمعادن الاستراتيجية.
تطوير الصناعات الدفاعية المحلية وتقليص الاعتماد على الموردين الخارجيين.
دعم القدرة الشرائية للأسر ومواجهة تكاليف المعيشة.
تحفيز الشركات على الاستثمار داخل كندا بدل نقل أنشطتها إلى الولايات المتحدة.
كما تتضمن الميزانية إجراءات ضريبية تحفيزية لتشجيع الاستثمار، وتوسيع الإنفاق على البنية التحتية، وتدعيم الصناعات المحلية في مواجهة المنافسة الدولية.
«Maîtres chez nous».. شعار السيادة الاقتصادية يعود إلى الواجهة
ويحمل شعار «Maîtres chez nous» تاريخًا سياسيًا عميقًا في كندا، خصوصًا في إقليم كيبيك، حيث ارتبط خلال ستينيات القرن الماضي بمرحلة التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة، وبمساعي استعادة السيطرة على الموارد الاقتصادية، وخاصة الكهرباء، بعيدًا عن هيمنة المصالح الأجنبية.
وكان الشعار أحد أبرز الرموز المرتبطة بالتحولات السياسية والاجتماعية التي قادتها حكومة جان لوساج، وأصبح تعبيرًا عن فكرة أن الشعب يجب أن يكون صاحب القرار في إدارة ثرواته ومؤسساته. غير أن استخدام هذا الشعار من قبل حكومة مارك كارني في ميزانية اتحادية أثار جدلًا داخل كيبيك، حيث اعتبرت بعض القوى السياسية أن استحضاره يتجاوز أصوله التاريخية المرتبطة بالهوية والسيادة الاقتصادية للإقليم.
ورغم هذا الجدل، فإن اختيار الشعار يعكس بوضوح رغبة الحكومة الفيدرالية في تقديم المواجهة التجارية مع الولايات المتحدة باعتبارها معركة من أجل الاستقلال الاقتصادي والسياسي، وليس مجرد خلاف حول الرسوم الجمركية.
كندا تبحث عن بدائل للسوق الأمريكية
تدرك الحكومة الكندية أن مواجهة الولايات المتحدة لا يمكن أن تستمر دون استراتيجية طويلة الأمد لتقليص الاعتماد على السوق الأمريكية. وفي هذا السياق، يسعى مارك كارني إلى مضاعفة الصادرات الكندية إلى الأسواق غير الأمريكية بحلول عام 2035، من خلال تعزيز العلاقات التجارية مع أوروبا وآسيا، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والاستثمارية. لكن هذه المهمة تبدو معقدة بالنظر إلى أن نحو 70 بالمائة من الصادرات الكندية تتجه إلى الولايات المتحدة، وهو ما يجعل استبدال السوق الأمريكية في المدى القصير أمرًا بالغ الصعوبة.
وتشير التحركات الكندية إلى أن أوتاوا لا تسعى إلى قطع العلاقات الاقتصادية مع واشنطن، بقدر ما تريد إعادة صياغتها على أساس أكثر توازنًا، يمنحها هامشًا أوسع للمناورة ويحد من قدرة الإدارة الأمريكية على استخدام التجارة وسيلة للضغط السياسي.
معركة اقتصادية تتجاوز الرسوم الجمركية
تكشف المواجهة الحالية عن تحول أعمق في طبيعة العلاقات بين البلدين، حيث أصبحت التجارة والطاقة والصناعات الاستراتيجية والأمن الاقتصادي عناصر أساسية في حسابات السيادة الوطنية. وتشير تقديرات مكتب الميزانية البرلماني الكندي إلى أن الإجراءات التجارية والرسوم الجمركية المتبادلة قد تؤدي إلى خفض الناتج المحلي الحقيقي لكندا بنحو 1.4 بالمائة بعد خمس سنوات، مقارنة بالسيناريو الذي يستمر فيه مستوى العلاقات التجارية الثنائية عند مستويات 2024. وهو ما يبرز حجم المخاطر الاقتصادية التي تواجهها كندا، لكنه يكشف أيضًا عن حدود المواجهة التجارية مع أكبر شريك اقتصادي لها.
هل تنجح كندا في التحرر من التبعية الاقتصادية؟
تضع ميزانية «سادة مصيرنا» كندا أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع تحويل الضغوط الأمريكية إلى نقطة انطلاق لبناء اقتصاد أكثر استقلالية وتنوعًا، أم أن الترابط التاريخي والجغرافي مع الولايات المتحدة سيظل يفرض حدودًا على طموحاتها؟ وتبدو حكومة مارك كارني وكأنها تعلن مرحلة جديدة في السياسة الاقتصادية الكندية، تقوم على الاستثمار في الداخل، وتنويع الشراكات، وتعزيز السيطرة على الموارد والصناعات الاستراتيجية. وبينما تستمر الحرب التجارية مع واشنطن، لم يعد شعار «Maîtres chez nous» مجرد استعادة لعبارة تاريخية، بل أصبح عنوانًا لمعركة كندية من أجل امتلاك القرار الاقتصادي، في عالم تتزايد فيه الضغوط التجارية وتتحول فيه السيادة الوطنية إلى رهان استراتيجي.