ليست كل النساء اللواتي يتركن أثرًا في الحياة يُخلّدن بأسماء المناصب أو بعدد السنوات التي قضينها في مواقع المسؤولية، فهناك نساء تصنعن مجدهن الحقيقي من رحم الألم، وتكتبن أجمل فصول الإنسانية حين تختار قلوبهن الرحمة في اللحظة التي يبدو فيها الانتقام أكثر إغراءً. ومن بين هذه الحكايات الاستثنائية تبرز سيرة النائبة والأم الراحلة أماني أبو سحلي، التي لم تكن مجرد امرأة تدعو إلى السلام، بل أمًّا دفعت من قلبها ثمنًا باهظًا لتصبح واحدة من أبرز الأصوات النسائية في مواجهة الثأر بمحافظة قنا المصرية.
حين يصبح الفقد بداية لحكاية استثنائية
في عام 2015، تلقت أماني أبو سحلي واحدة من أقسى الضربات التي يمكن أن تتعرض لها أم، حين فقدت ابنها الوحيد ساهر، الذي قُتل في حادث ثأري بمركز فرشوط بمحافظة قنا، وهو لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره. كان ساهر بالنسبة إليها أكثر من ابن؛ كان قطعة من روحها ومستقبلًا تختصر فيه أحلام الأمومة. وبرحيله، وجدت نفسها أمام امتحان إنساني بالغ القسوة: أن تستسلم لمنطق الثأر، أو أن تواجه الألم بخيار يبدو مستحيلًا في مجتمع اعتاد أن تتحول فيه الدماء إلى مطالب جديدة بالدماء. لكن أماني أبو سحلي اختارت الطريق الأصعب والأكثر نبلاً.رفضت أن تأخذ بثأر ابنها الوحيد، ورفضت أن تجعل من مأساتها بداية لمأساة أخرى، وكأنها قررت أن يكون رحيل ساهر آخر دمعة في سلسلة طويلة من الدموع، لا أول قطرة في دورة جديدة من الانتقام.
أمٌّ مكلومة تتحول إلى سفيرة للسلام
لم يكن قرارها مجرد موقف شخصي، بل تحول إلى رسالة إنسانية حملتها إلى بيوت العائلات المتخاصمة، حيث كانت تعرف جيدًا ماذا يعني أن تفقد أم ابنها، وماذا يعني أن تتحول حياة أسرة بأكملها إلى انتظار موجع لخبر قد يأتي في لحظة ويقلب كل شيء. ومن قلب هذه التجربة، انطلقت أماني أبو سحلي في رحلة المصالحات الثأرية، لتصبح صوتًا نسائيًا مؤثرًا في جهود إطفاء نار الخصومات بمحافظة قنا ومناطق أخرى من صعيد مصر. لم تعتمد على الكلمات وحدها، بل كانت تطرق أبواب العائلات، وتجلس مع الأمهات، وتستمع إلى الحكايات التي تختبئ خلف الخصومات، وتخاطب القلوب قبل أن تخاطب العقول، مستندة إلى تجربتها الشخصية وإلى حقيقة لا يمكن لأحد أن ينكرها: لا توجد أم مستعدة بسهولة لأن ترى ابنها يعود إليها في نعش.
لجنة نسائية في مواجهة ثقافة الدم
في مجتمع تتشابك فيه أحيانًا الاعتبارات العائلية والاجتماعية مع تقاليد الثأر، أدركت الراحلة أن المرأة يمكن أن تكون قوة حقيقية في صناعة السلام، وأن الأمهات، رغم ما يحيط بهن من ألم، يمتلكن قدرة استثنائية على التأثير في قرارات العائلات.
ومن هذا المنطلق، أسست وقادت لجنة نسائية للمصالحات الثأرية في صعيد مصر، وأسهمت في جهود إنهاء عدد من الخصومات والنزاعات بين العائلات، واضعة نصب عينيها هدفًا يتجاوز مجرد توقيع اتفاقات الصلح: إنقاذ أرواح جديدة من مصير مشابه لمصير ابنها. كانت تعرف أن كل مصالحة ناجحة تعني أمًّا لن ترتدي السواد، وطفلًا لن يكبر يتيمًا، وعائلة لن تعيش تحت تهديد الانتقام، وشابًا قد يعود إلى حياته بدل أن يجد نفسه أسيرًا لدائرة لا تنتهي من الدماء.
حين تنتصر الأم على وجعها
ربما تكمن أعظم جوانب حكاية أماني أبو سحلي في أنها لم تتحدث عن السلام من موقع المنتصر، ولا من موقع من لم يعرف الفقد، بل من موقع الأم التي عاشت المأساة بكل تفاصيلها. لقد حملت حزنها معها إلى بيوت الآخرين، لكنها لم تحمله سلاحًا، بل جعلته جسرًا للتواصل والتسامح، ووسيلة لفهم آلام الأمهات اللواتي وجدن أنفسهن في مواجهة خسارات لا تعوض. وفي كل محاولة صلح، كانت تجربتها الشخصية تمنح كلماتها معنى مختلفًا، لأن من يرفض الثأر لابنه الوحيد لا يقدم درسًا نظريًا في التسامح، بل يضع أمام المجتمع تجربة إنسانية نادرة، تؤكد أن الألم، مهما بلغ، لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لمزيد من الألم.
سيرة تتجاوز السياسة والمناصب
إن استحضار سيرة النائبة الراحلة أماني أبو سحلي لا يتعلق فقط بتكريم امرأة أدت دورًا سياسيًا أو اجتماعيًا، بل بتسليط الضوء على نموذج إنساني استطاع أن يحول المأساة الشخصية إلى مشروع حياة من أجل الآخرين. فالمصالحة في مفهومها لم تكن مجرد جلسة عرفية أو اتفاق بين عائلتين، بل كانت محاولة لإنقاذ مستقبل كامل من قبضة الماضي، وإعادة الاعتبار لقيمة الحياة في مواجهة ثقافة الانتقام. رحم الله أماني أبو سحلي، الأم التي فقدت ابنها ولم تفقد إنسانيتها، والمرأة التي كان بإمكانها أن تختار الانتقام، لكنها اختارت أن تمنح الآخرين فرصة للحياة. لقد رحلت، لكن حكايتها ستظل تذكيرًا بأن بعض الأمهات لا يكتفين بالحزن على أبنائهن، بل يقررن أن يحولن دموعهن إلى رسالة، ووجعهن إلى أمل، ومأساتهن إلى طريق ينقذ أبناء الآخرين.
أماني أبو سحلي.. أمٌّ فقدت ساهر، لكنها اختارت أن تكون أمًّا للسلام، وأن تمنع ساهرًا آخر من أن يصبح ضحية للثأر.