في تلك المرحلة، لم يكن منعم بوصرصار ينظر إلى السوق بعين الحاضر، بل بعين المستقبل. رأى في علامة Chery فرصة قبل أن تصبح ظاهرة، وآمن بأن موازين صناعة السيارات لن تبقى ثابتة إلى الأبد. لم يكن يستورد سيارات فحسب، بل كان يستثمر في فكرة مفادها أن المستقبل قد يُصنع في الشرق، وأن الريادة لا ترتبط بجغرافيا بعينها. ومع مرور السنوات، تبدلت الموازين. لم تعد الصين تطلب مكاناً على خريطة صناعة السيارات، بل أصبحت إحدى القوى التي تعيد رسم تلك الخريطة. تصدرت الإنتاج والتصدير، وقادت ثورة السيارات الكهربائية، واستثمرت بقوة في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الذكية، حتى باتت كبرى الشركات العالمية تراقب التجربة الصينية عن كثب، وتعيد حساباتها في سوق لم يعد يشبه الأمس. وفي تونس، تغيرت النظرة أيضاً. السيارة التي كانت تُقابل بالشك أصبحت محل اهتمام وانتظار، وأصبحت أسماء مثل Chery وMG وGeely وHaval وLynk & Co وVoyah وXPENG جزءاً من المشهد اليومي في سوق السيارات، في انعكاس واضح للتحول الذي يشهده القطاع عالمياً.
إن الاقتصاد لا يعترف بالأحكام المسبقة، بل يكافئ من يقرأ التحولات قبل وقوعها. وما بدا للبعض مغامرة قبل سنوات، أصبح اليوم خياراً أثبت وجاهته مع تغير موازين المنافسة العالمية. وربما لم يكن منعم بوصرصار يبيع سيارات فقط، بل كان يقدم درساً في استشراف المستقبل. فالفارق الحقيقي بين من ينجح ومن يكتفي بالمشاهدة، هو أن الأول يسأل دائماً: إلى أين يتجه العالم؟ بينما يكتفي الآخر بوصف ما يراه أمامه. وهكذا، يبقى السباق الحقيقي ليس في اللحاق بالتحولات، بل في توقعها. فهناك من يختار ما يحظى بالإعجاب اليوم، وهناك من يختار ما سيدرك الجميع قيمته بعد سنوات. أما التاريخ، فلا يوزع الجوائز على من كانوا على صواب، بل يواصل السير بهدوء، تاركاً للزمن مهمة إثبات من قرأ المستقبل قبل الآخرين.
