تطرح مسألة تحديث المنظومة التشريعية والترتيبية في تونس من جديد إشكالية أداء المؤسسات المكلفة بتنظيم النصوص القانونية وتحيينها، في ظل استمرار الاستناد إلى قوانين وأحكام تعود إلى عقود مضت، بعضها يرجع إلى فترة ما قبل الاستقلال، وبعضها الآخر أصبح لا يواكب التحولات الاقتصادية والمهنية والإدارية التي عرفتها البلاد.
وفي قلب هذا النقاش يبرز المجلس الوطني لتنظيم الأحكام التشريعية والترتيبية الجاري بها العمل، الذي أُحدث بموجب الأمر عدد 262 لسنة 2003 المؤرخ في 4 فيفري 2003، بعد أن سبقه مجلس أعلى أحدث سنة 1996، ونُقح تنظيمه سنة 2000. وقد أُسندت إليه مهمة أساسية تتمثل في جمع النصوص التشريعية والترتيبية حسب المواد، وتنظيمها وتحيينها وتهذيبها وتوضيحها، دون المساس بمضمونها إلا عبر مشاريع قانونية تستكمل مسار المصادقة. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: أين وصلت هذه المؤسسة في تنفيذ المهام التي أُحدثت من أجلها؟ وما الذي يمنعها من الاضطلاع بدورها في مراجعة النصوص القديمة التي ما زالت تؤثر في قطاعات مهنية واقتصادية وإدارية مختلفة؟
مجلس أُحدث لتنظيم التشريعات.. ماذا تحقق من أهدافه؟
لم يكن إحداث المجلس الوطني مجرد إجراء إداري أو إضافة هيكل جديد إلى مؤسسات الدولة، بل كان يفترض أن يمثل خطوة أساسية نحو بناء منظومة قانونية واضحة ومترابطة، تتخلص تدريجياً من التراكم التشريعي والتضارب بين النصوص، وتضع حداً لاستمرار أحكام فقدت جزءاً من جدواها بفعل تغير الظروف التي أُقرت فيها. فالأمر عدد 262 لسنة 2003 لم يترك مهام المجلس غامضة، بل حددها بصورة واضحة، إذ نص على ضبط مناهج تنظيم الأحكام التشريعية والترتيبية، وإعداد برامج العمل، والمصادقة على إحداث فرق مختصة حسب المواد، تتولى إعداد مشاريع التنظيم والتحيين. كما نص الأمر على إحداث لجنة دائمة تساعد المجلس، وتتولى تنسيق أعمال الفرق المختصة، وعلى ضرورة إرفاق كل مشروع بملخص للأسباب وترجمة وجدول مقارنة بين النصوص القديمة والمقترحة، فضلاً عن مشروع قانون للمصادقة عندما يتعلق الأمر بأحكام تشريعية.
وبالتالي، فإن المشرّع لم يكن يتحدث عن مهمة شكلية، بل عن آلية مؤسساتية يفترض أن تساهم في جعل القانون التونسي أكثر وضوحاً وانسجاماً وقدرة على مواكبة تطورات المجتمع والاقتصاد.
لكن غياب المعطيات المنشورة بصفة منتظمة حول اجتماعات المجلس وبرامج عمله ومشاريعه المنجزة يطرح تساؤلات جدية بشأن مدى فاعلية هذه الآلية، ويجعل من الضروري مطالبة الجهات المشرفة عليها بتقديم حصيلة واضحة وشفافة عن نشاطها منذ إحداثها.
قانون المستشارين الجبائيين.. مثال على التراكم التشريعي
ومن الأمثلة التي تطرح هذه الإشكالية قانون عدد 34 لسنة 1960 المؤرخ في 14 ديسمبر 1960، والمتعلق بالموافقة على المستشارين الجبائيين. فهذا القانون يعود إلى أكثر من ستة عقود، أي إلى مرحلة مبكرة من بناء الدولة التونسية المستقلة، حين كانت الظروف الاقتصادية والإدارية والمهنية مختلفة جذرياً عن واقع اليوم. ويشير المهنيون المعنيون إلى استمرار وجود إحالات وأحكام مرتبطة بنصوص قانونية وقع نسخها أو تعويضها منذ أكثر من خمسين سنة، وهو ما يثير إشكالاً حول مدى تحيين الإطار القانوني المنظم للمهنة، ومدى انسجامه مع بقية المنظومة التشريعية والجبائية. ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد تغيير بعض العبارات أو تحديث المصطلحات، بل بمسألة تتصل بالأمن القانوني ووضوح شروط ممارسة المهنة، وتحديد المسؤوليات والصلاحيات، وضمان استقرار العلاقة بين المستشار الجبائي والإدارة والحريف. كما أن استمرار المطالب المهنية بتحيين هذا الإطار القانوني، وفق ما يطرحه أصحاب المهنة، يعيد إلى الواجهة سؤالاً أساسياً: كيف يمكن لمهنة مرتبطة مباشرة بتطور التشريعات الجبائية وتعقد المعاملات الاقتصادية أن تظل محكومة بإطار قانوني يعود إلى سنة 1960 دون مراجعة شاملة تواكب واقعها الحالي؟