وفي تطور سياسي وقضائي لافت في البرازيل، أفادت تقارير إعلامية دولية بأن السيناتور فلافيو بولسونارو، الذي خسر الانتخابات الرئاسية أمام الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، غادر البلاد متوجهاً إلى الولايات المتحدة، وسط تساؤلات بشأن وجهته النهائية ومستقبله السياسي والقانوني، بعد صدور أمر قضائي يلزمه بتسليم جوازات سفره. وتأتي هذه التطورات بعد أيام قليلة من الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية، التي انتهت بفوز لولا دا سيلفا، في نتيجة شكلت انتكاسة سياسية لمعسكر اليمين الذي يقوده أنصار الرئيس السابق جايير بولسونارو، والد فلافيو، المسجون على خلفية إدانته بالتخطيط لانقلاب عقب خسارته انتخابات 2022.
من الهزيمة الانتخابية إلى مغادرة البلاد
وفقاً لتقارير صحفية نشرت يوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، غادر فلافيو بولسونارو البرازيل باتجاه الولايات المتحدة، استناداً إلى معلومات نقلتها مصادر مقربة منه وأخرى أمريكية. وجاء ذلك بعدما كان قد أكد، في تصريحات سابقة، أنه لا يعتزم مغادرة البلاد وأنه سيواصل نشاطه السياسي من موقع المعارضة. وكان القاضي ألكسندر دي مورايس، من المحكمة الاتحادية العليا البرازيلية، قد أصدر أمراً يقضي بتسليم جوازات سفره خلال مهلة محددة، في إطار تحقيق يتعلق بشبهات غسل أموال وصلات مالية محتملة بمحامٍ يدعى ويلر توماز. وينفي بولسونارو ارتكاب أي مخالفات. ولم يقتصر الجدل على مغادرته المحتملة، بل امتد إلى توقيت القرار القضائي، الذي جاء عقب الهزيمة الانتخابية وفي وقت يستعد فيه السيناتور لمغادرة منصبه البرلماني مع انتهاء عهدته. وقد يضعه فقدان الحصانة البرلمانية أمام وضع قانوني مختلف، بحسب طبيعة الملفات والإجراءات القضائية القائمة.
الأرجنتين.. محطة عبور أم رواية لم تتأكد؟
أثارت تقارير إعلامية احتمال عبور فلافيو بولسونارو الأراضي الأرجنتينية قبل التوجه إلى الولايات المتحدة، مع تداول معلومات عن رحلة خاصة انطلاقاً من منطقة بويرتو إيغوازو، القريبة من الحدود الثلاثية بين الأرجنتين والبرازيل والباراغواي. غير أن السلطات الأرجنتينية نفت امتلاكها سجلات تثبت دخوله البلاد، كما أكد متحدث باسم الرئاسة الأرجنتينية أن بولسونارو لم يتقدم بطلب لجوء سياسي في الأرجنتين. وفي ظل غياب تأكيد رسمي لجميع تفاصيل الرحلة، تبقى فرضية العبور عبر الأرجنتين موضع جدل، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها حقيقة محسومة. أما الاتجاه نحو الولايات المتحدة، فقد دعمته تقارير إعلامية استندت إلى مصادر أمريكية ومقربة من السياسي البرازيلي.
هل يسعى إلى اللجوء السياسي في الولايات المتحدة؟
تزايدت التكهنات بشأن احتمال طلب فلافيو بولسونارو اللجوء السياسي في الولايات المتحدة، خصوصاً مع إعلان مسؤول أمريكي أن واشنطن ستمنح تأشيرات لبولسونارو وأفراد عائلته وتسمح لهم بدخول الأراضي الأمريكية.
لكن السماح بالدخول لا يعني، في حد ذاته، منح اللجوء السياسي، كما لم تتأكد بصورة مستقلة جميع التفاصيل المتعلقة بتقديم طلب رسمي أو البت فيه. وتكتسب هذه المسألة أبعاداً سياسية إضافية بالنظر إلى العلاقات الوثيقة التي تربط عائلة بولسونارو بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي سبق أن عبّر عن دعمه لمعسكرها السياسي. كما أن مغادرة فلافيو البلاد، إن تأكدت تفاصيلها النهائية، قد تفتح نقاشاً بشأن حدود التضامن السياسي بين الحلفاء عندما تتحول الأزمات الانتخابية إلى ملفات قضائية.
تكرار تجربة الأب
تستحضر هذه التطورات تجربة جايير بولسونارو، الذي غادر البرازيل بعد خسارته انتخابات 2022 أمام لولا دا سيلفا، قبل أن يعود لاحقاً إلى بلاده ويواجه محاكمة انتهت بإدانته في قضية محاولة الانقلاب. وتثير المقارنة بين الأب والابن تساؤلات حول مستقبل التيار البولسوناري، الذي كان يعوّل على فلافيو لمواصلة حضوره السياسي وقيادة المعارضة. فبدلاً من الانتقال مباشرة إلى معركة سياسية داخل المؤسسات البرازيلية، وجد السيناتور نفسه في قلب أزمة تتداخل فيها الهزيمة الانتخابية مع القيود القضائية والحديث عن مغادرة البلاد. ومع ذلك، فإن تشابه المسارين لا يعني تطابقهما قانونياً؛ إذ تتعلق بكل منهما ملفات وإجراءات وظروف مختلفة، كما أن التحقيقات الجارية بشأن فلافيو لا تعني ثبوت التهم المنسوبة إليه.
تداعيات تتجاوز مصير مرشح خاسر
لا تقتصر أهمية القضية على مستقبل فلافيو بولسونارو الشخصي، بل تمتد إلى المشهد السياسي البرازيلي والعلاقات الإقليمية. فمغادرة مرشح رئاسي خاسر البلاد في ظل أمر قضائي يثير أسئلة بشأن احترام القرارات القضائية، وضمانات الدفاع، وحدود اللجوء إلى الخارج في مواجهة الملاحقات القانونية. كما يمكن أن تؤدي القضية إلى زيادة التوتر بين حكومتي البرازيل والأرجنتين، في ظل الخلافات السياسية القائمة بين لولا دا سيلفا وخافيير ميلي، فضلاً عن حساسية العلاقات بين برازيليا وواشنطن في ملفات القضاء والتدخل الخارجي. وبينما يظل مصير فلافيو بولسونارو القانوني والسياسي مفتوحاً على احتمالات متعددة، فإن المؤكد أن هزيمته الانتخابية لم تكن نهاية المعركة بالنسبة إليه؛ بل شكلت بداية مرحلة جديدة تتشابك فيها الحسابات السياسية مع التحقيقات القضائية، وسط غموض بشأن تفاصيل مغادرته ووجهته النهائية ووضعه القانوني في الخارج.