ليس هذا الكلام من باب الإثارة، ولا رغبة في إحراج من بيدهم القرار، ولا تحركًا لخدمة أجندة سياسية داخل تونس أو خارجها. إنه، قبل كل شيء، موقف صحفي ومسؤول، نابع من تجربة قاربت نصف قرن في عالم الصحافة المكتوبة والرقمية، ومن شعور وطني يجعل الدفاع عن صورة تونس الحقيقية مسؤولية لا تقل أهمية عن الدفاع عن مصالحها الاقتصادية والاجتماعية والسيادية. تونس تعيش اليوم مرحلة تحولات عميقة، تتقاطع فيها الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية مع محاولات معالجة ملفات الفساد والاختلالات التي تراكمت على مدى سنوات. ومهما اختلفت المواقف من هذه التحولات أو من السياسات المعتمدة، فإن هناك مسألة تبدو في حاجة إلى نقاش جدي: كيف تقدم الدولة ما تقوم به؟ وكيف تشرح قراراتها وسياساتها للرأي العام التونسي وللعالم؟
الدولة التي لا تتحدث عن نفسها يترك فراغها للآخرين
إحدى المعضلات التي لا يجوز التقليل من شأنها تراها في مؤسسات الدولة التونسية، ويبدو الاتصال العمومي في حاجة إلى مراجعة شاملة تتلاءم مع العصر الرقمي الجديد. لأن مكتب الإعلام التقليدي لم يعد قادرًا وحده على مواجهة منظومات إعلامية ورقمية تعمل على مدار الساعة، ولا على التعامل مع شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات الدولية وصناعة المحتوى المرئي والبيانات المفتوحة والاتصال المباشر بالمواطن.
عندما يغيب الاتصال يحضر التأويل
وفي عصر السرعة الرقمية، يمكن لخبر غير دقيق أو مقطع مجتزأ أو منشور مجهول المصدر أن يصل إلى ملايين الأشخاص قبل أن تتمكن المؤسسة الرسمية المعنية من إصدار توضيح. وعندما تتأخر المعلومة الرسمية، يبدأ التأويل. وحين يغيب الشرح، تنتشر الروايات البديلة. وحين لا يجد المواطن مصدرًا واضحًا وموثوقًا للمعلومة، يصبح أكثر عرضة لتصديق ما يصله عبر شبكات التواصل، سواء كان صحيحًا أم مضللًا. لذلك فإن الاتصال العمومي ليس ترفًا ولا مجرد واجهة بروتوكولية. إنه جزء من عمل الدولة الحديثة، ومن أدوات حماية الثقة العامة، شرط أن يقوم على المعلومة الدقيقة والشفافية والقدرة على الإجابة عن الأسئلة الصعبة، لا على التجميل أو الإنكار. ومن هنا تبرز الحاجة إلى منظومة اتصال حكومية حديثة، تضم مختصين في الإعلام والاتصال الرقمي والبيانات والعلاقات الدولية وإدارة الأزمات، وتعمل وفق استراتيجية واضحة ومتكاملة.
المسألة تتجاوز صورة تونس
كذلك، هناك قضية أكثر عمقًا ينبغي التوقف عندها: هجرة الشباب التونسي، وخاصة أصحاب الشهادات والكفاءات، نحو أوروبا.
فالشاب الذي يغادر تونس لا يحمل معه حقيبته وشهادته فقط. إنه يحمل أيضًا صورة عن بلاده، وانطباعًا عن مستقبلها، وتصورًا عن قدرته على تحقيق طموحاته داخلها. وهنا تصبح معركة الثقة أهم من أي حملة إعلامية. لا يمكن إقناع شاب متعلم بالبقاء عبر خطاب إعلامي جميل إذا كان يشعر بأن مستقبله المهني والاجتماعي غير واضح. وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أثر الصورة التي تقدمها تونس عن نفسها في الداخل والخارج على قرارات الشباب وعلى نظرة المستثمرين والباحثين والمهنيين إلى مستقبل البلاد. لقد أصبحت أوروبا، بالنسبة إلى قطاعات من الشباب التونسي، أكثر من مجرد وجهة للهجرة. إنها سوق للعمل والدراسة والبحث العلمي والاختصاص والتكوين. ويجد الشاب التونسي أمامه يوميًا عبر الإنترنت صورًا عن جامعات ومختبرات وشركات وفرص مهنية وحياة اجتماعية مختلفة.
أصعب سؤال
لماذا لا تكون تونس قادرة على تقديم سردية مقنعة عن مستقبل شبابها؟ ألا يكفي أن نقول للشباب: ابقوا ؟ لا يحتاج الشباب المثقف إلى خطاب عاطفي يطلب منه البقاء، بل يحتاج إلى أسباب حقيقية تجعله يريد البقاء. يحتاج إلى جامعة تمنحه الأمل، وسوق عمل تستوعب كفاءته، وإدارة تحترم وقته وطاقته، ومؤسسات تفتح المجال أمام المبادرة، ومناخ يسمح له بتحويل أفكاره إلى مشاريع، ومسار مهني يضمن له قدرًا من الاستقرار والكرامة. لذلك فإن معالجة هجرة الكفاءات لا تبدأ من الإعلام، لكنها لا يمكن أن تنجح من دونه.
الإعلام والاتصال يستطيعان أن يشرحا الإصلاحات، وأن يقدما قصص النجاح، وأن يكشفا الفرص الموجودة، وأن يربطا التونسيين في الخارج ببلادهم، وأن يظهرا للمواطن ما يتحقق فعلًا وما لم يتحقق بعد.
لكن الاتصال الصادق يجب أن يقول أيضًا ما لم ينجح بعد. فالصورة الحقيقية لتونس لا تكون ناصعة لأنها تخلو من المشاكل، وإنما لأنها قادرة على مواجهة مشاكلها والاعتراف بها والعمل على حلها.
تونس تحتاج إلى استراتيجية اتصال وطنية
المطلوب، في تقديري، ليس مجرد ناطق رسمي يظهر عند الأزمات، بل استراتيجية وطنية للاتصال العمومي تتجاوز الأشخاص والحكومات وتستمر مهما تغيرت الظروف السياسية. استراتيجية تحدد من يتحدث باسم المؤسسة، ومتى يتحدث، وكيف يقدم المعلومة، وكيف يتعامل مع الإعلام الوطني والأجنبي، وكيف تستخدم الدولة شبكات التواصل الاجتماعي، وكيف تشرح القرارات الاقتصادية والقوانين والإجراءات الجديدة. كما تحتاج تونس إلى منصات رقمية رسمية حديثة، متعددة اللغات، تقدم البيانات والمعلومات والوثائق للصحفيين والباحثين والمواطنين والمستثمرين في الداخل والخارج. فالصورة الخارجية لتونس لا تصنعها الدولة وحدها. يصنعها الإعلام، والسفارات، والجامعات، والمستثمرون، والجالية التونسية، والطلبة، والباحثون، وحتى كل شاب تونسي يعيش في أوروبا ويحدث الآخرين عن بلاده.
معركة الصورة تبدأ من الداخل
ولتحسين صورة تونس في الخارج، من الخطأ الاعتقاد أن الإختزال في إطلاق حملات دعائية فقط ستصنع النتائج. لا.. وعندما ينجح مهندس تونسي في تأسيس شركة، وعندما يجد الباحث مختبرًا يتيح له تطوير مشروعه، وعندما يتمكن الطبيب أو الأستاذ الجامعي أو التقني من بناء مسار مهني محترم في بلاده، وعندما يشعر المواطن بأن الإدارة تخدمه بدل أن تعرقله، تصبح النجاحات أقوى من أي حملة علاقات عامة والنتائج ملموسة. وفي المقابل، فإن استمرار هجرة الكفاءات يمثل رسالة ينبغي الإصغاء إليها. لأن الشاب الذي يغادر ليس بالضرورة معاديًا لبلاده، كما أن الشاب الذي يبقى ليس بالضرورة أكثر وطنية. إنها في كثير من الأحيان مسألة فرص وثقة وتوقعات ومستقبل.
لا تحتاج تونس إلى معركة مع الخارج
مواجهة المعلومات المضللة لا تعني الدخول في حرب مفتوحة مع كل من ينتقد تونس. الديمقراطية والدولة الحديثة تحتاجان إلى النقد، والصحافة الجادة لا تقوم على التصفيق لأي حكومة أو معارضة أي حكومة، وإنما على التحقق والمساءلة وتقديم الوقائع.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الخلاف السياسي إلى تضليل متعمد، أو عندما تُقتطع الوقائع من سياقها، أو عندما تنتشر أخبار كاذبة بهدف بث الخوف واليأس. لذا يكون العلاج الأفضل هو المعلومة الرسمية السريعة والدقيقة، والصحافة المهنية القادرة على التحقق، والمواطن القادر على التمييز بين الخبر والرأي والدعاية.
الرسالة الأهم
بعد ما يقارب نصف قرن في الصحافة، أعتقد أن تونس لا تعاني فقط من مشكلة في تقديم صورتها إلى العالم؛ إنها تواجه أيضًا تحديًا أكبر يتمثل في إقناع أبنائها بأن المستقبل يمكن أن يُبنى داخلها. وهذه المهمة لا تنجزها وزارة واحدة ولا مؤسسة واحدة ولا حملة إعلامية واحدة. إنها مسؤولية دولة ومجتمع وجامعة وإعلام وقطاع خاص. وفي خصوص الاتصال العمومي، فعليه أن يكون جسرًا بين الدولة والمواطن، لا جدارًا يفصل بينهما. وإذا كانت تونس تمر فعلًا بمرحلة تحولات كبرى، فإن شرح هذه التحولات، وتقديم أرقامها ونتائجها، والاستماع إلى الانتقادات، وتصحيح المعلومات المغلوطة، وإظهار النجاحات والإخفاقات معًا، يجب أن يصبح جزءًا من العمل اليومي للمؤسسات.
الشباب التونسي لا يحتاج إلى من يقول له إن كل شيء بخير
إنه يحتاج إلى أن يرى لماذا يمكن أن يكون الغد أفضل من اليوم، وعندما يصبح هذا الغد قابلًا للتصديق، قد لا نحتاج إلى إقناع شبابنا بالبقاء؛ سيجد بعضهم بأنفسهم سببًا للعودة، أو للاستثمار، أو لإنشاء مشروع، أو لنقل خبراتهم، أو لبناء جسور جديدة بين تونس وأوروبا.
استعادة الثقة الحقيقية
في نهاية المطاف، الثقة لا تُصنع بالشعارات، وإنما بالمعلومة الصادقة، والنتائج الملموسة، والقدرة على الإصغاء، وبناء مستقبل يشعر فيه الشاب التونسي أن وطنه ليس مجرد مكان وُلد فيه، بل مكان يستطيع أن يحقق فيه أحلامه.