في ألمانيا، لم يعد اليمين المتطرف مجرد ظاهرة هامشية تُناقش في برامج المساء وتُحاصر بعبارة «لن يتكرر الأمر». في ساكسونيا-أنهالت، حصل حزب البديل من أجل ألمانيا AfD على نحو 44 في المئة من الأصوات، وفاز بـ39 مقعدًا من أصل 83. النتيجة لم تمنحه الأغلبية المطلقة، لكنها نقلته من هامش النظام إلى عتبة الحكم، وهذه وحدها جملة كان من الصعب تخيل كتابتها عن ألمانيا قبل سنوات قليلة.
الصدمة لم تكن فقط في الرقم
كانت في ما كشفه الرقم عن أزمة أوسع، تراجع الثقة في الأحزاب التقليدية، غضب اقتصادي متراكم، تفاوتات شرقية لم تختفِ بعد ثلاثة عقود من الوحدة، ومخاوف من الهجرة والطاقة والصناعة. في الوقت نفسه، بدأت أحزاب الوسط تتحدث أكثر بلغة الحدود والهوية والأمن. اليمين المتطرف لا يحتاج دائمًا إلى دخول الحكومة كي يغيّر السياسة. أحيانًا يكفي أن يجعل خصومه يتحدثون بلغته. فريدريش ميرتس كرر رفضه أي تحالف مع AfD، لكنه اضطر إلى الاعتراف بأن النتيجة هزت حزبه. وفي البرلمان، صعّد خطابه ضد الحزب، خصوصًا حول مفهوم «إعادة الهجرة» وعلاقته بروسيا وموقفه من الاتحاد الأوروبي واليورو وشنغن. لكن المشكلة ليست خطابية فقط. كلما كبر الحزب، أصبح عزله أكثر تعقيدًا. «الجدار الناري» الذي كان فعالًا عندما كان AfD أقلية محدودة يبدو أقل صلابة عندما يقف خلفه قرابة نصف ناخبي ولاية كاملة.
هنا تبدأ المفارقة الديمقراطية الحقيقية
ماذا تفعل دولة ديمقراطية حين يختار جزء كبير من ناخبيها حزبًا تعتبره مؤسسات أمنية وسياسية تهديدًا للنظام الديمقراطي؟ إذا عزلته، قد تعزز روايته بأنه ضحية نظام يحتقر الناخبين. وإذا طبعته، قد تمنحه الشرعية التي يحتاجها للتمدد. وإذا حاولت حظره، قد تحوله إلى شهيد سياسي. وإذا تركته ينافس بلا حدود، فقد يصل إلى السلطة عبر الآلية نفسها التي صُممت لحماية النظام. هذا ليس سؤالًا ألمانيًا فقط. في السويد، انتقل حزب «ديمقراطيو السويد» من الهامش إلى قلب المعادلة الحكومية. في فرنسا، صار التجمع الوطني جزءًا ثابتًا من أي حساب للرئاسة المقبلة. وفي إيطاليا، لم تعد جورجيا ميلوني مجرد زعيمة احتجاجية بل رئيسة حكومة مستقرة نسبيًا، فيما يظهر على يمينها تيار أكثر تشددًا.
أوروبا لا تواجه موجة عابرة؛ إنها تعيش تحولًا في مركز ثقلها السياسي.
لكن اختزال هذا الصعود في العنصرية وحدها يريح الضمير أكثر مما يفسر الواقع. نعم، خطاب العداء للمهاجرين والعنصرية عنصر جوهري في صعود اليمين المتطرف. لكن أحزابًا كهذه لا تصبح كبرى من دون فراغ اقتصادي واجتماعي. في 11 سبتمبر، أظهرت بيانات رسمية أن إفلاس الشركات في ألمانيا بلغ في النصف الأول من 2026 أعلى مستوى له منذ 13 عامًا. وفي ساكسونيا السفلى، أصبحت إعادة هيكلة فولكسفاغن ومخاوف فقدان الوظائف مادة انتخابية مباشرة. عندما يشعر المواطن أن مصنعه مهدد، وأن فاتورة الطاقة ترتفع، وأن السياسي التقليدي يجيب بالأرقام الكلية، يأتي السياسي الشعبوي ويمنحه قصة أبسط: هناك من أخذ منك بلدك. الجملة قد تكون مضللة، لكنها سهلة. والسياسة، لسوء حظ البشرية، لا تُحسم دائمًا بتقرير اقتصادي من خمسين صفحة.
حتى رأس المال بدأ يقلق
رئيس البنك المركزي الألماني يواخيم ناغل حذر من آثار صعود اليمين المتطرف على الاستثمار ومكانة ألمانيا ونموذجها الاقتصادي. وهذا مهم، لأن النقاش لم يعد فقط حول الأقليات أو خطاب الكراهية. أصبح عن الصناعة، اليورو، الاتحاد الأوروبي، اليد العاملة، والاستقرار نفسه. التاريخ الألماني يجعل هذه اللحظة أكثر ثقلًا. ألمانيا الحديثة بنت جزءًا من شرعيتها بعد 1945 على الذاكرة وعلى مبدأ «لن يتكرر الأمر». لكن التاريخ لا يعود بالزي نفسه. قد لا يأتي بحذاء عسكري وشعار من ثلاثينيات القرن الماضي. قد يأتي عبر منصة رقمية، وبرنامج انتخابي، وصندوق اقتراع، وناخب مقتنع بأنه يعاقب النظام لا أنه يهدد الديمقراطية. لهذا، السؤال الحقيقي ليس هل فشلت الديمقراطية الألمانية. هذا تبسيط رخيص. السؤال هو هل تستطيع الديمقراطية أن تواجه غضبًا اجتماعيًا حقيقيًا من دون أن تسلّم لغتها لليمين المتطرف؟ وهل تستطيع أن تدافع عن قيمها من دون أن تتحول إلى نظام يخاف من نتائج صناديقه؟ ألمانيا اليوم لا تواجه مجرد AfD. إنها تواجه مرآتها. والمرآة لا تجامل أحدًا.