وبحسب المعطيات الواردة، فإن القرار يستهدف نحو عشرين شركة قادمة من دول تصنفها موسكو ضمن قائمة «الدول غير الصديقة»، ويشمل شركات لها حضور اقتصادي مهم في السوق الروسية، سواء من حيث عدد العاملين أو حجم الاستثمارات والمبيعات. ولا يقتصر الأمر على تغيير إداري محدود، بل يتعلق، وفق مضمون التسجيل، بنقل صلاحيات واسعة تتصل بإدارة الأصول والأنشطة التجارية، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة هذه السيطرة ومدى إمكانية استعادتها من قبل المجموعات المالكة.
نستله وأوشان وليروا ميرلان.. شركات كبرى في دائرة القرار
من بين الأسماء التي وردت، مجموعة نستله السويسرية، التي يذكر أنها تشغل نحو سبعة آلاف موظف في روسيا، وتملك ستة مصانع، فيما بلغ رقم معاملاتها في البلاد قرابة ملياري يورو سنة 2023. كما تشمل القائمة مجموعة «أوشان» الفرنسية، على أنها تشغل نحو ثلاثين ألف عامل، وتدير 230 متجرًا في روسيا، مع رقم معاملات بلغ 2.7 مليار يورو خلال السنة المشار إليها. أما شركة «ليروا ميرلان»، التي أعيدت تسميتها «ليمنابرو»، فيشير فإنها تضم نحو 45 ألف موظف، ورقم معاملاتها بلغ 5.7 مليارات يورو. ووفق المصادر ذاتها، ثلاث شركات تابعة لمجموعة «إف إم لوجيستيك» الفرنسية، تشغل مجتمعة أكثر من ثلاثة آلاف موظف، وحققت رقم معاملات يقدر بنحو 311 مليون يورو سنة 2025. وتكشف هذه الأرقام، عن حجم المصالح الاقتصادية المعنية، وعن اتساع التداعيات المحتملة لأي تغيير في السيطرة على هذه المؤسسات.
«إيف مانجمنت».. من يتولى إدارة الأصول؟
وستخضع الشركات المعنية لسيطرة مؤقتة من جانب شركة روسية تحمل اسم «إيف مانجمنت»، تأسست في نهاية سنة 2024. وتشير المصادر إلى أن هوية مساهمي الشركة غير معروفة، وأنها تضم، وفق ما يقال، موظفًا واحدًا فقط، بينما يتولى إدارتها جنرال سابق في وزارة الداخلية الروسية. وتثير هذه المعطيات تساؤلات حول الجهة التي ستتولى فعليًا إدارة المؤسسات الأجنبية، ومدى استقلالية الشركة المكلفة بالإشراف عليها. كما أن السيطرة لا تقتصر على تعيين مسؤول إداري، بل تمتد إلى مختلف العناصر التي تضمن استمرار النشاط الاقتصادي، من المباني والمعدات والأثاث إلى التراخيص والبرمجيات والبضائع والديون والسيولة المالية. كما تشمل الصلاحيات، اختيار المديرين وتحديد الاستثمارات والاستراتيجية التي ستتبعها الشركات. وبذلك، تصبح المسألة مرتبطة بالتحكم في القرارات الاقتصادية اليومية والمستقبلية لهذه المؤسسات، وليس فقط بحيازة أصولها المادية.
السيطرة المؤقتة.. إجراء إداري أم مقدمة للبيع؟
رغم أن الإجراء يوصف رسميًا بأنه مؤقت، فإن التجارب السابقة تطرح علامات استفهام بشأن المآلات المحتملة. ويذكر حالة شركة «غالبرودوكت»، العاملة في مجال تصنيع المعلبات الغذائية، والتي يذكر أنها وضعت تحت السيطرة المؤقتة للدولة الروسية سنة 2024، بعد فترة قصيرة من تأسيسها من قبل مستثمر أمريكي، وحالة مجموعة «دانون»، التي تعرضت أصول فرعها الروسي للمصادرة سنة 2023، قبل إعادة بيعها لاحقًا، بحسب ما ورد في التسجيل، إلى أطراف مقربة من الرئيس الشيشاني رمضان قديروف. وفي هذا السياق، تشير التجارب السابقة إلى أن السيطرة المؤقتة قد تمثل مرحلة انتقالية تسبق عملية البيع غير أن هذا التقدير لا يعني بالضرورة أن السيناريو نفسه سيتكرر في جميع الحالات، إذ تبقى النتائج مرتبطة بالقرارات التي ستتخذها السلطات الروسية وبالمسارات القانونية التي قد تلجأ إليها الشركات المعنية.
ما هي الخيارات القانونية أمام الشركات المتضررة؟
ووفق المعطيات الواردة ، تملك الشركات المعنية نظريًا عدة مسارات للتحرك، رغم أن هامش المناورة يظل مرتبطًا بالإطار القانوني الروسي والظروف المحيطة بتنفيذ القرار.
ومن بين الخيارات المطروحة، الطعن أمام القضاء الروسي في المرسوم أو في الإجراءات التي يتخذها المدير المؤقت. كما تبقى إمكانية اللجوء إلى التحكيم الدولي للمطالبة بحقوق المستثمرين، مستندًا إلى اتفاقيات حماية الاستثمارات التي أبرمتها روسيا مع كل من سويسرا وفرنسا. وفي المقابل، اكتفت مجموعة «أوشان»، في المرحلة المشار إليها، بطلب توضيحات، بينما أعلنت «نستله» أنها ستدرس جميع الخيارات المتاحة. ويعكس هذا التباين اختلافًا في طريقة تعامل الشركات مع القرار، بين انتظار مزيد من المعطيات وتقييم المسارات القانونية الممكنة. لكن اللجوء إلى القضاء أو التحكيم لا يعني تلقائيًا استعادة الأصول، إذ تظل النتائج رهينة الإجراءات المتبعة والقرارات التي ستصدر عن الجهات المختصة.
الشركات الفرنسية المتبقية.. مخاوف تمتد إلى قطاعات أخرى
لا تتوقف تداعيات القرار المحتملة عند الشركات الواردة في القائمة، إذ 23 شركة فرنسية كانت لا تزال تنشط في روسيا وفق أرقام سنة 2025، مقابل 75 شركة عشية الحرب. وتتوزع هذه المؤسسات على قطاعات متعددة، من بينها الصناعات الغذائية والتجارة الإلكترونية ومستحضرات التجميل والطاقة، كوجود شركة «بوندويل» في قطاع الصناعات الغذائية، مع نحو ألف موظف، وشركة «لاكتاليس» التي يقدر عدد العاملين لديها بنحو 1900 موظف وكذلك مجموعة «لا ريدوت» الناشطة في التجارة الإلكترونية، وشركة «كلارنس» في مجال مستحضرات التجميل، غير أن قطاع الطاقة يظل من بين الملفات التي تستحق المتابعة، بالنظر إلى المصالح الاقتصادية التي ما زالت بعض الشركات الفرنسية تحتفظ بها في روسيا.
توتال إنرجي.. مصالح في قطاع الغاز الروسي
وفي خصوص شركة «توتال إنرجي» الفرنسية، التي تشارك في مشاريع للطاقة داخل روسيا، من بينها مشروع «يامال للغاز الطبيعي المسال»، المرتبط بتطوير حقل غازي وإنتاج الغاز الطبيعي المسال سيستمر امتلاك الشركة نحو 20 بالمائة من رأس مال مجموعة «نوفاتك» الروسية للغاز. وبحسب الرئيس التنفيذي للشركة، باتريك بويانيه، توتال إنرجي تحقق نحو 400 مليون دولار سنويًا من بيع الغاز الطبيعي الروسي. وهي معطيات تبرز حجم التشابك بين المصالح الاقتصادية الفرنسية والقطاع الطاقي الروسي، وما قد يترتب عن أي إجراءات إضافية تستهدف الاستثمارات الأجنبية. لكن وجود هذه المصالح لا يعني، في حد ذاته، أن الشركة مشمولة بالقرار المذكور، أو أن أصولها ستخضع للإجراء نفسه.
اختبار جديد للعلاقة بين موسكو والمستثمرين الأجانب
ويتجاوز الملف، في أبعاده الاقتصادية، مسألة السيطرة على مجموعة من المتاجر والمصانع والشركات اللوجستية، ليطرح سؤالًا أوسع حول مستقبل الاستثمار الأجنبي في روسيا، وحدود الضمانات التي يمكن أن يستند إليها المستثمرون في ظل التوترات الدولية. فحين تمتد السيطرة إلى الإدارة والاستثمارات والأصول والسيولة، تصبح المخاطر المحتملة مرتبطة باستمرارية النشاط الاقتصادي، وبقدرة الشركات على التخطيط واتخاذ القرار، فضلًا عن مصير حقوق المساهمين. كما أن استحضار حالات سابقة انتهت، ببيع أصول أجنبية، يجعل مسألة «المؤقت» محورًا أساسيًا في متابعة هذا الملف. ومع ذلك، فإن تحديد المآلات النهائية يتطلب الاطلاع على نص المرسوم الروسي، والتحقق من نطاقه القانوني، ومتابعة ردود الشركات المعنية والإجراءات التي ستتخذها السلطات.