وشكّل هذا الحدث العالمي، الذي تنظمه مجموعة Comexposium، نقطة التقاء استراتيجية ضمت ما يزيد عن 7500 عارض من مختلف دول العالم، ممثلين لكافة حلقات القطاع من منتجين، ومصنعين، وموزعين، ومستوردين. تأتي هذه الدورة في وقت حساس يواجه فيه قطاع الغذاء العالمي تحديات معقدة ترتبط بالأمن الغذائي، وتقلبات كلفة الإنتاج، والضغوط البيئية على الموارد الطبيعية، مما جعل محاور الصالون تتركز بشكل أساسي حول الحلول التكنولوجية المستدامة وأنماط الاستهلاك الحديثة.
الابتكار والأمن الغذائي في صدارة التحولات العالمية
وشهد الصالون تركيزاً مكثفاً على فضاءات الابتكار مثل SIAL Innovation وSIAL Start-up، حيث تم تسليط الضوء على دمج الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في تطوير أساليب التصنيع وتتبع سلاسل الإمداد. ولم تعد التنافسية في الأسواق الدولية تقتصر على معادلتي السعر والجودة فحسب، بل باتت ترتبط بمدى قدرة المؤسسات على تبني ممارسات مستدامة، وتقليل الانبعاثات الكربونية، وتقديم منتجات صحية وشفافة تلبي تطلعات المستهلك الحديث.
المشاركة التونسية: أرقام واعدة ورهان القيمة المضافة
في إطار البرنامج الوطني للمعارض التجارية بالخارج الذي يشرف عليه مركز النهوض بالصادرات (CEPEX)، سجلت تونس حضورها في هذا المحفل الدولي بـ 71 مؤسسة agroalimentaire متوزعة بين 61 عارضاً ضمن الجناح الجماعي و10 عارضين بصفة فردية، ممثلين لـ 10 قطاعات وفروع إنتاجية مختلفة.
وجاءت هذه المشاركة مدفوعة بأرقام تصديرية إيجابية حققها القطاع حتى نهاية شهر أغسطس 2026؛ حيث سجلت الصادرات الغذائية التونسية نمواً بنسبة 20.8%، بوجود 610 مصدّرين نشطين في 138 سوقاً دولية.
وتصدرت قطاعات السيادة الغذائية التونسية المشهد بالأرقام التالية: زيت الزيتون: بلغت الكميات المصدرة 381.2 ألف طن (خلال الفترة من نوفمبر 2025 إلى أغسطس 2026) محققة عائدات قياسية بلغت 4.780 مليار دينار (بارتفاع قدره 50.8%) والتمور: تجاوزت الصادرات 160 ألف طن بعائدات تخطت حاجز المليار دينار.
تحدي التحول من الطلب الخام إلى المنتج النهائي المبتكر
رغم النجاح الكمّي للمشاركة التونسية، إلا أن النقاشات الاقتصادية في كواليس الصالون وفيPavillon Tunisie أعادت طرح مسألة هيكلية تتعلق بـالقيمة المضافة. فما زال جزء كبير من زيت الزيتون التونسي (بين 85% و88%) والتمور يُصدّر في شكل سائل أو خام بحجم كبير (Vrac) ليتم تعبئته وتسويقه في أوروبا تحت علامات تجارية أجنبية وبأسعار مضاعفة. لذا، فإن الاستفادة الحقيقية من منصة SIAL Paris 2026 وما تتيحه من لقاءات مهنية مباشرة وشراكات دولية، تظل مشروطة بقدرة النسيج الصناعي التونسي على الانتقال نحو تصدير المنتجات النهائية المصنعة والمعلبة الحاملة لعلامات تجارية تونسية واعدة.
هذا التحول يتطلب: الالتزام الصارم بـالمعايير الصحية الدولية وقابلية التتبع الشاملة للسلع والاستثمار في التعبئة والتغليف المبتكر والمستدام وضمان انتظام عمليات التزويد واستقرار الجودة لمواجهة المنافسة الشرسة من بلدان حوض المتوسط والأسواق الناشئة. ووضعت دورة 2026 الخارطة الجديدة لمستقبل الغذاء في العالم وأثبتت أن رهان الصادرات التونسية لم يعد مرتبطاً بوفرة الإنتاج الفلاحي فحسب، بل بمدى القدرة على شحن الابتكار والتجديد المعرفي داخل كل منتج تونسي عابر للحدود.