في تطور قضائي لافت في الساحة الرياضية الجزائرية، أصدرت المحكمة القطب الجزائي الاقتصادي والمالي بسيدي أمحمد في الجزائر العاصمة، يوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، أحكاماً بالسجن النافذ ضد عدد من المسؤولين السابقين في الاتحادية الجزائرية لكرة القدم، من بينهم ثلاثة رؤساء تعاقبوا على قيادة الهيئة بين عامي 2017 و2023، وذلك في قضية تتعلق بشبهات تجاوزات في التصرف في أموال الاتحادية.
وبحسب المعطيات الواردة بشأن الحكم، قضت المحكمة بسجن خير الدين زطشي وعمارة شرف الدين لمدة ثماني سنوات نافذة لكل منهما، مع خطية مالية قدرها مليون دينار جزائري لكل متهم. كما حكمت على جهيد زفيزف بالسجن ست سنوات نافذة، إضافة إلى خطية مالية بالمبلغ نفسه. وتكتسي القضية أهمية خاصة بالنظر إلى المواقع التي شغلها المتهمون في هرم كرة القدم الجزائرية، وإلى طبيعة المؤسسة المعنية، باعتبارها الجهة المشرفة على إدارة شؤون اللعبة وتنظيم المسابقات والمنتخبات الوطنية.
ثلاثة رؤساء في دائرة المحاسبة
تولى خير الدين زطشي رئاسة الاتحادية الجزائرية لكرة القدم بين عامي 2017 و2021، قبل أن يخلفه عمارة شرف الدين الذي قاد الهيئة خلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2022. ثم تولى جهيد زفيزف الرئاسة بين عامي 2022 و2023. ويضع صدور أحكام بالسجن ضد المسؤولين الثلاثة، في إطار القضية ذاتها، مسألة إدارة الاتحادية خلال تلك المرحلة تحت مجهر المساءلة القضائية، خصوصاً أن الأمر يتعلق بمؤسسة تتحمل مسؤولية تسيير موارد مالية مرتبطة بنشاط رياضي واسع، وتحظى بمتابعة جماهيرية وإعلامية كبيرة. ولا يعني تعاقب المسؤولين على رئاسة الهيئة أن المسؤولية القانونية واحدة أو أن الأفعال المنسوبة إلى كل متهم متطابقة؛ إذ تظل مسؤولية كل شخص مرتبطة بما يثبته القضاء بشأن دوره والوقائع المنسوبة إليه.
أحكام تطال مسؤولين إداريين ورياضيين
لم تقتصر الأحكام، وفق المعطيات المتاحة، على الرؤساء السابقين للاتحادية، بل شملت أيضاً عدداً من المسؤولين الإداريين الذين عملوا داخل الهيئة. فقد قضت المحكمة بسجن الأمينين العامين السابقين محمد سعد ومنير دبيشي، إلى جانب المدير الإداري السابق عبد الغني نقاش، لمدة ثلاث سنوات نافذة لكل منهم، مع خطية مالية قدرها مليون دينار جزائري لكل متهم. كما صدرت العقوبة نفسها بحق أمين عبدي، المدير السابق للمنتخب الوطني الجزائري لكرة القدم. أما بقية المتهمين، ومن بينهم أعضاء سابقون في المكتب الفيدرالي، فقد تراوحت الأحكام الصادرة بحقهم بين سنة وخمس سنوات سجناً نافذاً، في ملف شمل 19 شخصاً تتعلق القضية المنظورة في حقهم بتجاوزات في إدارة أموال الاتحادية. وتكشف طبيعة قائمة المحكوم عليهم، التي تضم مسؤولين على مستوى القيادة والإدارة، أن الملف لا يتعلق فقط بالأشخاص الذين تصدروا المشهد الرياضي، بل يمتد إلى آليات التسيير الإداري والمالي داخل المؤسسة.
ما وراء الأحكام: أزمة حوكمة أم مسؤولية أفراد؟
تتجاوز أهمية هذه القضية حدود العقوبات السجنية، لتطرح أسئلة أوسع بشأن طرق إدارة المؤسسات الرياضية، ومدى خضوعها لرقابة مالية وإدارية فعالة، وقدرتها على منع تضارب المصالح والتجاوزات المحتملة. فالهيئات الرياضية الكبرى لا تدير المنافسات والمنتخبات فحسب، بل تتصرف أيضاً في موارد مالية، وتبرم عقوداً واتفاقيات، وتتخذ قرارات لها انعكاسات مباشرة على الأندية واللاعبين والجماهير. ومن ثم، فإن سلامة التصرف في الأموال والشفافية في اتخاذ القرار تمثلان عنصرين أساسيين في الحفاظ على الثقة العامة. وفي هذا السياق، تبرز أهمية وجود منظومة رقابة مستقلة، وآليات واضحة لتوثيق النفقات والعقود، وتحديد المسؤوليات بين الرئيس والأجهزة الإدارية والمالية، إلى جانب إخضاع التصرفات المالية للتدقيق والمراجعة بصورة دورية. غير أن صدور أحكام في حق مسؤولين سابقين لا يكفي، بمفرده، للحكم على المؤسسة بأكملها أو اعتبار جميع إخفاقاتها نتيجة تجاوزات فردية. فالتقييم الموضوعي يقتضي التمييز بين المسؤوليات الشخصية التي تناولها القضاء، وبين أوجه القصور المحتملة في الأنظمة الرقابية والتنظيمية التي قد تسمح بحدوث التجاوزات أو تعجز عن اكتشافها مبكراً.
كرة القدم بين الشعبية والمساءلة
تحظى كرة القدم في الجزائر بمكانة جماهيرية كبيرة، وتتحول نتائج المنتخب الوطني وأوضاع الأندية والاتحادية إلى قضايا رأي عام. ولذلك، فإن أي ملف قضائي يتعلق بقيادة المؤسسة المشرفة على اللعبة ينعكس على صورة الإدارة الرياضية وعلى ثقة الجمهور في القائمين عليها.
لكن المساءلة لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد حدث إعلامي مرتبط بأسماء معروفة أو بعقوبات ثقيلة؛ فقيمتها الحقيقية تكمن في استخلاص الدروس، وتطوير قواعد الحوكمة، وضمان ألا تتكرر التجاوزات التي يثبتها القضاء. كما أن حماية المال المخصص للرياضة لا تنفصل عن حماية حقوق الأندية واللاعبين، وضمان توجيه الموارد إلى أهدافها، وتوفير بيئة تنافسية تقوم على قواعد واضحة ومتساوية.
اختبار للمؤسسة قبل أن يكون حكماً على أشخاص
تسلط قضية الاتحادية الجزائرية لكرة القدم الضوء على معادلة أساسية في إدارة الرياضة الحديثة: لا يمكن فصل النتائج الرياضية عن جودة التسيير، ولا يمكن بناء الثقة على الشعبية وحدها في غياب الشفافية والمحاسبة. وتبقى الأهمية العملية للأحكام الصادرة مرتبطة أيضاً بما ستفضي إليه الإجراءات القضائية اللاحقة، ومدى تنفيذ إصلاحات فعلية في الرقابة المالية والإدارية، وتوضيح المسؤوليات داخل المؤسسة. وفي هذه القضية، يبدو أن الرهان لا يقتصر على معاقبة من تثبت مسؤوليته عن المخالفات، بل يشمل كذلك بناء منظومة تجعل احترام القانون والشفافية والمحاسبة قواعد ثابتة في إدارة كرة القدم الجزائرية، بما يحفظ مواردها ويصون ثقة جماهيرها.