في تونس، قد تبدأ بعض الحكايات من السوق، وتنتهي في أروقة القضاء. وقد تبدو في بدايتها مجرد خلاف حول شحنة لحم أو شروط توريد، قبل أن تكشف الأيام أن وراء التفاصيل الصغيرة أسئلة أكبر بكثير: أين تنتهي المصلحة الخاصة؟ وأين تبدأ المصلحة العامة؟ ومن يحمي التونسي عندما يصبح الغذاء نفسه جزءا من معادلة المال والنفوذ والمسؤولية؟ منذ مارس 2026، يوجد أحمد العميري، الرئيس السابق للغرفة الوطنية للقصابين، رهن الإيقاف التحفظي على ذمة قضية تتعلق، وفق المعطيات المتداولة، بالتصرف في اللحوم الموردة المبردة والأموال المرتبطة بها. وفي آخر فصول هذه القضية، أعلن مرصد «Freedom for Tunisia» يوم 11 سبتمبر 2026 أن قاضي التحقيق الأول بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي قرر التمديد في الإيقاف التحفظي لمدة أربعة أشهر إضافية. قد يبدو الخبر، في زمن كثرت فيه أخبار الإيقافات والتحقيقات، مجرد سطر جديد في صفحات القضاء. لكنه، في الحقيقة، يفتح بابا واسعا على واحدة من أكثر القضايا حساسية: الغذاء حين يلتقي بالمال، والمال حين يصطدم بالمسؤولية، والمسؤولية حين تصبح أمام ميزان العدالة.
من سوق اللحوم إلى قاعة التحقيق
القضية، التي انطلقت إثر شكاية تقدمت بها الشركة التونسية للحوم، أفضت إلى إصدار بطاقة إيداع في 10 مارس 2026، وسط شبهات تتعلق، بحسب ما أُعلن، بتبييض الأموال والاحتكار والمضاربة والخيانة المؤتمنة واستغلال تسهيلات مرتبطة بالنشاط المهني.
لكن قبل كل شيء، يجب أن يبقى القانون واضحا في هذه المسألة: الشبهة ليست إدانة، والإيقاف التحفظي ليس حكما قضائيا.
فالرجل موضوع التحقيق يبقى متمتعا بقرينة البراءة، ولا يمكن اعتبار أي من الأفعال المنسوبة إليه ثابتة إلا بصدور حكم قضائي نهائي بات. وهنا تكمن قيمة العدالة الحقيقية: أن تبحث بلا خوف، وأن تدقق بلا انتقام، وأن تدين فقط عندما تكتمل الأدلة وتستوفي الكلمة القضائية شروطها.
المفارقة التي تجعل الحكاية أكثر من مجرد ملف
غير أن أكثر ما يمنح هذه القضية بعدها الرمزي هو أن الرجل نفسه كان، قبل أشهر قليلة من إيقافه، في موقع مختلف تماما. ففي ديسمبر 2025، وبصفته ممثلا للقصابين، كان أحمد العميري من أبرز الأصوات التي دقت ناقوس الخطر بشأن ملف اللحوم الموردة. تحدث حينها عن شحنات قال إنها تحتوي على نسب مرتفعة من الشحوم، وعن لحوم قال إنها لا تحمل الأختام الصحية القانونية أو لا تستجيب للمواصفات المطلوبة، مشيرا إلى عمليات مراقبة شاركت فيها مصالح صحية وبيطرية وأمنية، وانتهت، وفق ما أُعلن آنذاك، إلى حجز كميات ورفض أخرى واتخاذ إجراءات بشأن الإتلاف أو الإرجاع. وكان التحذير يتجاوز مسألة الجودة التجارية إلى قضية أكثر خطورة: المال العام والعملة الصعبة وصحة المستهلك. وهنا تبدأ المفارقة. الرجل الذي كان يطالب آنذاك بأن تخضع اللحوم إلى ميزان الرقابة الصحية، يجد نفسه اليوم أمام ميزان آخر: ميزان التحقيق القضائي.
عندما تصبح اللحمة شاهدة
اللحم الذي كان يُفترض أن يصل إلى موائد التونسيين مرّ عبر سلسلة طويلة من الأيدي: مورد، وإدارة، ومصالح رقابة، ومهنيون، وموزعون، وقصابون، ثم المستهلك. وفي كل حلقة من هذه السلسلة توجد مسؤولية لأن قطعة اللحم ليست مجرد سلعة. إنها غذاء يدخل جسد الإنسان مباشرة. والدولة عندما تستعمل المال العام أو العملة الصعبة لتوفير الغذاء، تصبح مسؤولة أيضا عن ضمان أن يكون هذا الغذاء مطابقا للشروط، وأن لا تتحول الحاجة إلى منفذ للربح غير المشروع.
ومن هنا، فإن القضية لا تتعلق في جوهرها بشخص واحد بل تتعلق بسؤال أكبر، هل تستطيع الدولة أن تضمن أن ما يدخل إلى السوق مطابق لما دفعته من مال، وأن ما يدخل إلى أفواه التونسيين مطابق لما تسمح به قواعد الصحة والسلامة؟
من يزن اللحم، ومن يزن المسؤولية؟
في الأسواق، يعرف القصاب قيمة الميزان، كيلوغرام هنا، نصف كيلوغرام هناك، ونهاية اليوم تُحسب الأرباح والخسائر. لكن هناك ميزانا آخر لا يقيس الكيلوغرامات، وإنما يقيس الأفعال، ميزان العدالة. ولذلك فإن المفارقة في هذه الحكاية ليست مادة للسخرية من شخص أو للتشفي في رجل، وإنما درس في معنى المسؤولية العامة. فمن يطالب بتطبيق القانون على الآخرين، يجب أن يقبل، حين يصبح محل بحث، بأن يطبق القانون عليه أيضا. ومن يرفع راية حماية المستهلك، يفترض أن يكون أول من يقبل برقابة القانون. ومن يتحدث عن المال العام، يجب أن يدرك أن المال العام لا يملك أحد حق التصرف فيه خارج القانون. وهذا بالضبط ما يجعل المسألة أكبر من أسماء الأشخاص.
الدولة لا تعرف «اللحم المقدس»
ربما يكون أهم ما يمكن استخلاصه من هذا الملف هو أن هيبة الدولة لا تُقاس بعدد البيانات ولا بقوة التصريحات، وإنما بقدرتها على تطبيق القانون عندما تكون الملفات حساسة، والأسماء معروفة، والمصالح متشابكة. فإذا كانت هناك شبهات، فمن حق التحقيق أن يبحث فيها، وإذا كانت هناك أدلة، فمن واجب القضاء أن يثبتها، وإذا لم تثبت، فمن واجب الجميع احترام قرينة البراءة. هكذا تدار الدولة، والدولة ليست التشفي، ولا تصفية الحسابات، ولا الأحكام الجاهزة على مواقع التواصل الاجتماعي. الدولة تضع الجميع أمام القانون.
عدالة بطيئة... أفضل من غذاء سريع وفاسد
وتتشعب الملفات، وتُراجع الوثائق، وتُستمع الشهادات، وتُفحص الحسابات والعقود والمسارات المالية والإدارية، فيرى البعض في طول الإجراءات عبئا، بينما يراها آخرون ضمانة لكشف الحقيقة. لكن في قضايا بهذا الحجم، ربما تكون العجلة هي الخطر الحقيقي. فالقضاء ليس سوقا للبيع السريع، والحقيقة ليست سلعة لها تاريخ صلاحية. والعدالة المتأنية تبحث عن الحقيقة، أفضل من حكم سريع قد يظلم بريئا أو يفلت مذنبا لأن حماية صحة التونسيين لا تحتمل التساهل مع غذاء غير مطابق، كما أن حماية حقوق المتهمين لا تحتمل تحويل الشبهة إلى إدانة.
ميزان الصحة، وميزان العدالة
وقد تبدو الحكاية وكأنها بدأت بشحنة لحم مبرد وانتهت بقرار تمديد في الإيقاف، إلا أن عمقها يكمن في جوهرها لأنها حكاية بلد وشعب يريدان أن يعرفا أين تذهب أمواله، وما الذي يدخل في بطنه، ومن يتحمل المسؤولية عندما تختلط التجارة بالنفوذ، والمهنة بالمصلحة، والمال العام بالربح الخاص. والضمير في هذه الحكاية؟ وما نضعه على مائدة التونسيين، هل يمر ضرورة من ميزان القانون قبل أن يمر من ميزان التاجر؟ وقد يفسد اللحم إذا غابت عنه شروط حفظه وفسدت الدولة، كذلك، إذا غاب عنها ميزان القانون. وملخص الحكاية في اختبار لقدرة التونسيين أن يقول، بالفعل لا بالشعارات، أن صحة المواطن خط أحمر، والمال العام أمانة، والقانون واحد على الجميع.