ولم تعد الاستعدادات الأمريكية للحروب تقتصر على تطوير الأسلحة والطائرات والصواريخ وتعزيز الانتشار العسكري في الخارج، بل أصبحت تشمل بناء منظومة متكاملة تضمن قدرة الولايات المتحدة على مواصلة عملياتها العسكرية والاقتصادية حتى في حال تعرض بنيتها التحتية لهجمات إلكترونية أو عمليات تخريب أو انقطاع الإمدادات القادمة من الخارج. وفي هذا السياق، برز برنامج FORTRESS America (فورترس أمريكا)، الذي أطلقته وزارة الحرب الأمريكية، باعتباره مشروعاً استراتيجياً يهدف إلى تعزيز قدرة البلاد على الصمود أمام الأزمات والحروب الكبرى. ويعني اسم البرنامج «القلعة الأمريكية»، في إشارة إلى توجه واشنطن نحو بناء منظومة دفاعية وصناعية ولوجستية تجعلها أقل اعتماداً على الخارج وأكثر قدرة على مواجهة الاضطرابات الدولية. وقد أعلن وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث عن المبادرة يوم 30 سبتمبر 2026، خلال خطاب ألقاه في قاعدة مشاة البحرية الأمريكية بكوانتيكو في ولاية فرجينيا، مقدماً إياها باعتبارها بمثابة بوليصة تأمين وطنية لحماية الأراضي الأمريكية وضمان استمرارية القدرات العسكرية في مختلف الظروف.
ما هو برنامج FORTRESS America؟
ويحمل اسم FORTRESS اختصاراً لعبارة Federal Operations for Resilience, Troop Resources, Energy, Supply, and Survivability، ويمكن ترجمتها إلى العمليات الفيدرالية من أجل الصمود وموارد القوات والطاقة والإمدادات والقدرة على البقاء. ولا يتعلق الأمر بمجرد مشروع لتشييد تحصينات عسكرية تقليدية، بل بمبادرة واسعة لإعادة تنظيم الأمن الاستراتيجي الأمريكي، من خلال معالجة نقاط الضعف التي يمكن أن يستغلها أي خصم خارجي في حالة اندلاع مواجهة عسكرية واسعة. وتتمثل الفكرة الأساسية في ضمان عدم تحول القواعد العسكرية الأمريكية إلى رهينة لشبكات الكهرباء المدنية أو المصانع الأجنبية أو طرق التجارة الدولية أو سلاسل توريد المواد الأولية والتكنولوجية. وبعبارة أخرى، تريد واشنطن ضمان استمرار عملياتها العسكرية حتى إذا تعرض الاقتصاد العالمي لاضطرابات حادة أو تعطلت طرق النقل والإمداد أو تعرضت البنية التحتية الأمريكية لهجمات تستهدف الكهرباء والاتصالات والمنشآت الحيوية.
خمسة محاور لبناء القلعة الأمريكية
يقوم البرنامج على خمسة محاور استراتيجية مترابطة، أولها تحقيق قدر أكبر من الاستقلال الطاقي للقواعد العسكرية. وتعمل وزارة الحرب على تعزيز قدرة المنشآت العسكرية الكبرى على إنتاج الكهرباء بصورة مستقلة عن الشبكات المدنية، من خلال أنظمة توليد الطاقة والشبكات المصغرة، بما يسمح باستمرار تشغيل الطائرات ومراكز القيادة والاتصالات حتى في حال تعرض شبكة الكهرباء الوطنية لهجمات إلكترونية أو عمليات تخريب.
أما المحور الثاني فيتعلق بإعادة توطين الصناعات والمواد الاستراتيجية، إذ تسعى الولايات المتحدة إلى تقليص اعتمادها على الخارج في توفير المواد الضرورية للصناعات العسكرية، وخاصة المعادن الأرضية النادرة والمعادن الاستراتيجية وأشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية والمواد المستخدمة في صناعة الوقود الدافع للصواريخ والذخائر. ويعكس هذا التوجه رغبة أمريكية في السيطرة على مراحل استخراج هذه المواد وتكريرها وتصنيعها محلياً، بما يقلص قدرة الدول المنافسة على ممارسة ضغوط اقتصادية أو استراتيجية عبر التحكم في سلاسل الإمداد.
ويرتبط هذا التوجه بمحور ثالث يتمثل في إنشاء احتياطيات استراتيجية من المواد الضرورية للحرب والأزمات، تشمل الذخائر والوقود والأدوية والدم وغيرها من المستلزمات التي تضمن استمرار العمليات العسكرية. وتستند هذه المقاربة إلى فرضية مفادها أن اندلاع حرب دولية واسعة قد يؤدي إلى تعطيل التجارة العالمية وطرق النقل البحري والجوي، وهو ما يجعل الدول التي لا تمتلك مخزونات كافية أكثر عرضة للشلل الاقتصادي والعسكري.
ولا يقل المحور الرابع أهمية، إذ يتعلق بتحصين المنشآت العسكرية من الهجمات الحديثة، سواء كانت هجمات سيبرانية أو عمليات تخريب أو هجمات بالطائرات المسيّرة. ويشمل ذلك تحديث أنظمة القيادة والسيطرة وتعزيز حماية القواعد العسكرية والمنشآت الحساسة، انطلاقاً من إدراك أمريكي بأن الحروب الحديثة قد تبدأ بتعطيل الكهرباء والاتصالات والأنظمة الرقمية قبل إطلاق أول صاروخ.
أما المحور الخامس فيركز على حماية الأقمار الصناعية والاتصالات وأنظمة الملاحة والترددات المستخدمة في العمليات العسكرية. وتدرك واشنطن أن فقدان القدرة على تحديد المواقع أو التواصل بين الوحدات العسكرية قد يتحول إلى نقطة ضعف خطيرة في أي مواجهة مع قوة تكنولوجية متقدمة، ولذلك أصبح تأمين المجال الفضائي والاتصالات جزءاً أساسياً من مفهوم الأمن القومي الأمريكي.
هل تستعد الولايات المتحدة لحرب عالمية طويلة؟
يصعب قراءة برنامج فورترس بمعزل عن التحولات التي يشهدها النظام الدولي، وخاصة تصاعد التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين، واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية، والتوترات المتزايدة في الشرق الأوسط، إلى جانب تنامي التهديدات السيبرانية. فالمبادرة تعكس تحولاً في التفكير العسكري الأمريكي، يقوم على أن التفوق في الحروب المستقبلية لن يتحدد فقط بامتلاك أحدث الطائرات والصواريخ، بل أيضاً بالقدرة على مواصلة إنتاج الأسلحة وتوفير الطاقة والوقود والمواد الأولية في ظروف الحرب. ومن هنا تبرز أهمية المخزونات الاستراتيجية وإعادة توطين الصناعات الحيوية باعتبارهما عنصرين أساسيين في قدرة أي دولة على خوض مواجهة طويلة دون أن تصبح رهينة للموردين والأسواق الخارجية. وفي هذا السياق، تحدثت تقارير إعلامية أمريكية عن توجه نحو إعداد القواعد العسكرية الكبرى للعمل لمدة تصل إلى 90 يوماً دون الاعتماد على الإمدادات الخارجية. وإذا تأكد هذا التوجه في إطار وثائق التنفيذ، فإنه يعكس مستوى الاستعداد الذي تسعى إليه واشنطن لمواجهة سيناريوهات انقطاع الإمدادات خلال الحروب الكبرى، مع ضرورة التمييز بين ما أعلنته وزارة الحرب رسمياً وما أوردته التقارير الإعلامية بشأن التفاصيل التنفيذية.
هل يشمل البرنامج حماية المدنيين؟
على الرغم من أن اسم المشروع يوحي بإقامة منظومة حماية شاملة للولايات المتحدة، فإن المستفيد المباشر منه هو المؤسسة العسكرية والبنية التحتية المرتبطة بالأمن القومي. فالبرنامج لا يمثل إعلاناً عن خطة مدنية لتخزين الغذاء والماء والمواد الأساسية داخل المنازل، كما لا يعني أن الحكومة الأمريكية أصدرت تعليمات عامة للمواطنين للاستعداد لانقطاع الإمدادات. غير أن انعكاساته قد تتجاوز المؤسسة العسكرية، خاصة من الناحية الاقتصادية والصناعية، إذ إن تعزيز الإنتاج المحلي وتطوير مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الواردات في القطاعات الحساسة يمكن أن يؤثر في سوق العمل والاستثمارات والسياسات الصناعية الأمريكية. وفي المقابل، يطرح المشروع تساؤلات حول حجم الإنفاق المطلوب لتنفيذه والمدة التي ستستغرقها إعادة بناء سلاسل التوريد والصناعات التي انتقلت خلال العقود الماضية إلى الخارج.
من الإعلان إلى التنفيذ.. مشروع يتجاوز التصريحات
لم يبق برنامج فورترس في حدود التصريحات السياسية، إذ شهدت الأسابيع التي تلت الإعلان عنه تحركات تنظيمية داخل وزارة الحرب الأمريكية لوضع آليات التنفيذ وتنسيق العمل بين الإدارات المعنية بالمشتريات والإمدادات والبنية التحتية العسكرية. ويعكس هذا التوجه رغبة الإدارة الأمريكية في تحويل المبادرة إلى إطار عمل مؤسساتي، غير أن تحديد الميزانية النهائية والجدول الزمني الكامل لإنجاز مختلف مكوناتها يظل ضرورياً لتقييم مدى قدرتها على تحقيق الأهداف المعلنة.
أمريكا تريد ضمان قدرتها على خوض الحرب حتى لو تعطّل العالم
وتكمن أهمية برنامج FORTRESS America في أنه يعكس تحولاً في التفكير الاستراتيجي الأمريكي؛ فواشنطن لم تعد تنظر إلى الأمن القومي باعتباره مسألة عسكرية مرتبطة بالقواعد والأسلحة فقط، وإنما باعتباره منظومة متكاملة تشمل الطاقة والصناعة والتكنولوجيا والمواد الأولية والمخزونات الاستراتيجية والاتصالات. والأكثر دلالة أن الولايات المتحدة، رغم امتلاكها واحدة من أقوى الجيوش في العالم، تعتبر اعتمادها على الخارج في بعض المواد الحيوية وسلاسل التصنيع نقطة ضعف ينبغي معالجتها قبل اندلاع أي مواجهة كبرى. والدولة التي بنت جزءاً كبيراً من نفوذها الاقتصادي على العولمة والأسواق المفتوحة والتجارة الدولية، تعمل اليوم على إعادة بناء قدر من الاكتفاء الاستراتيجي تحسباً لاحتمال انهيار هذه المنظومة في زمن الحرب. وبذلك، لا يبدو برنامج فورترس مجرد خطة لتحديث البنية العسكرية الأمريكية، بل يمثل توجهاً نحو إعادة بناء مفهوم الأمن القومي على أساس القدرة على الصمود والاستمرار في مواجهة الأزمات. وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة المرحلة الدولية المقبلة: هل تستعد واشنطن لمجرد مواجهة عسكرية محتملة، أم أنها تتحسب لعالم قد تصبح فيه السيطرة على الطاقة والمواد الأولية والصناعة وسلاسل الإمداد أهم من التفوق العسكري وحده؟