لم تعد الدعوات الأوروبية إلى الاستعداد للأزمات مجرد توصيات موسمية مرتبطة بالكوارث الطبيعية أو انقطاع الكهرباء، بل تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى جزء من سياسات الأمن القومي وإدارة المخاطر، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية والحرب الروسية الأوكرانية وتزايد المخاوف من اتساع رقعة المواجهات العسكرية، فضلاً عن الهجمات السيبرانية واحتمالات تعطل البنية التحتية الحيوية. وفي تطور لافت، تتجه حكومات أوروبية إلى مطالبة مواطنيها بالاحتفاظ بمخزونات منزلية من الغذاء والماء والأدوية والوسائل الضرورية، تكفيهم لفترات تتراوح بين ثلاثة أيام وأسبوع، بل تصل إلى عشرة أيام في ألمانيا.
هذه التوصيات لا تعني أن الحكومات أعلنت عن حرب وشيكة، لكنها تعكس تحولاً واضحاً في تقدير المخاطر، إذ أصبح الاستعداد لاحتمالات الطوارئ جزءاً من مسؤولية المواطن، وليس مسؤولية أجهزة الدولة وحدها.
الاتحاد الأوروبي: 72 ساعة من الاستقلالية عن الخدمات الأساسية
في 26 مارس 2025، أعلنت المفوضية الأوروبية استراتيجية جديدة تحت عنوان «اتحاد الاستعداد»، دعت من خلالها الدول الأعضاء إلى تعزيز قدراتها على مواجهة الأزمات، وشجعت المواطنين على توفير احتياجات أساسية تكفيهم لمدة لا تقل عن 72 ساعة. وتشمل المخاطر التي تناولتها الاستراتيجية الاعتداءات العسكرية المحتملة، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية، والأزمات الصحية، وتعطل شبكات الطاقة والمياه والاتصالات.
جاء في التوجه الأوروبي الرسمي ما معناه
«ينبغي أن يكون المواطنون قادرين على الاعتماد على أنفسهم لمدة لا تقل عن 72 ساعة في مواجهة الأزمات، بما يسمح للسلطات بتركيز جهودها على الحالات الأكثر احتياجاً». وتتضمن قائمة الاحتياجات المقترحة المياه والغذاء غير القابل للتلف، والأدوية الضرورية، والمصابيح اليدوية، وأجهزة الراديو التي تعمل بالبطاريات، وبطاريات الشحن المحمولة، والنقود والوثائق الشخصية. كما أعلنت المفوضية الأوروبية في جويلية 2025 عن توجه لتعزيز المخزونات الاستراتيجية الأوروبية من المواد الأساسية والمعدات الطبية والطاقة ووسائل النقل، بهدف تحسين قدرة الاتحاد على مواجهة الأزمات الكبرى.
ألمانيا: مؤونة تكفي عشرة أيام
تذهب ألمانيا إلى أبعد من التوصية الأوروبية، إذ تدعو الهيئة الاتحادية للحماية المدنية والإغاثة من الكوارث المواطنين إلى توفير مخزون منزلي من الغذاء والمشروبات يكفي لمدة عشرة أيام. وتشير التعليمات الرسمية إلى أهمية الاحتفاظ بحوالي لترين من السوائل للشخص الواحد يومياً، مع اختيار مواد غذائية قابلة للتخزين ولا تحتاج بالضرورة إلى التبريد أو الطهي. وتؤكد السلطات الألمانية أن الاستعداد مطلوب لمواجهة سيناريوهات متعددة، من بينها الفيضانات والثلوج الكثيفة وانقطاع الكهرباء وتعطل سلاسل الإمداد. نص الإعلان والتوجيه الألماني: «كوّنوا مخزوناً من المواد الغذائية والمشروبات يكفي لمدة عشرة أيام». وتوصي السلطات بتخزين الأغذية المعلبة والمياه المعدنية والعصائر طويلة الصلاحية، مع مراعاة احتياجات الأطفال والمرضى والحيوانات الأليفة.
فرنسا: حقيبة طوارئ جاهزة لمدة 72 ساعة
أصدرت السلطات الفرنسية في 20 نوفمبر 2025 دليلاً وطنياً بعنوان «Tous responsables» أي «الجميع مسؤولون»، يتضمن إرشادات للتصرف في الأزمات الكبرى والاستعداد لها. ويتضمن الدليل إعداد حقيبة طوارئ تسمح للعائلات بمواجهة الأيام الثلاثة الأولى من الأزمة، سواء تعلق الأمر بانقطاع الكهرباء أو الغاز أو المياه، أو وقوع كارثة كبرى تستدعي مغادرة المنزل. نص التوجيه الفرنسي: «72 ساعة: جهّزوا حقيبة الطوارئ مسبقاً، فالساعات الـ72 الأولى غالباً ما تكون الأصعب عند وقوع كارثة كبرى». وتضم القائمة الفرنسية ستة لترات من مياه الشرب لكل شخص، وأغذية غير قابلة للتلف ولا تحتاج إلى الطهي، وأدوية، وحقيبة إسعافات أولية، ومذياعاً يعمل بالبطاريات، ومصباحاً يدوياً، وشاحناً للهاتف، ونقوداً سائلة، ونسخاً من الوثائق الشخصية.
هولندا: ثلاثة أيام دون الاعتماد على الخدمات المعتادة
أطلقت الحكومة الهولندية حملة وطنية بعنوان «Denk vooruit» وتعني «فكّر مسبقاً»، وأصدرت في 25 نوفمبر 2025 دليلاً لمساعدة المواطنين على الاستعداد لحالات الطوارئ. ويهدف الدليل إلى تمكين الأسر من تدبير شؤونها لمدة 72 ساعة في المنزل إذا حدثت أزمة مفاجئة. نص الإعلان الهولندي: «استعدوا لحالة الطوارئ حتى تتمكنوا من تدبير احتياجاتكم خلال الساعات الـ72 الأولى». وتقوم الحملة على ثلاث خطوات: إعداد حقيبة الطوارئ، ووضع خطة عائلية للتصرف عند وقوع أزمة، والتواصل مع أفراد العائلة والجيران وتقديم المساعدة المتبادلة.
بولندا: دليل صريح للأزمات والحرب
في بولندا، يحمل الدليل الحكومي عنوان «دليل الأمن» ويتناول بصورة مباشرة كيفية التصرف في الأزمات والحروب. وقد أعدته مؤسسات حكومية، من بينها وزارات الداخلية والدفاع ومركز الأمن الحكومي، ونُشر في أوت 2025. نص التوجيه البولندي: «استعدوا للأزمات والحرب، وتعلموا كيفية التصرف لحماية أنفسكم وعائلاتكم». ويتضمن الدليل إرشادات بشأن الإنذارات، والإخلاء، والهجمات المسلحة، والتلوث الكيميائي، وانقطاع الكهرباء، والتضليل الإعلامي والإسعافات الأولية.
كما يوصي بإعداد حقيبة إخلاء تحتوي على الوثائق الشخصية والأدوية والمياه والغذاء لعدة أيام ومصباح يدوي وبطارية شحن ومذياع يعمل بالبطاريات.
فنلندا: ثلاثة أيام من الاكتفاء الذاتي
توصي السلطات الفنلندية بتوفير مخزون منزلي يكفي ثلاثة أيام على الأقل، مع التأكيد على أن هذه المؤونة يجب أن تتكون أساساً من المواد التي تستهلكها الأسرة بصورة طبيعية. نص التوجيه الفنلندي: «احتفظوا في المنزل بما يكفي من الماء والغذاء والأدوية والمواد الأساسية لمدة ثلاثة أيام على الأقل». وتشدد السلطات على ضرورة تجنب الشراء المفرط والتخزين بدافع الخوف، لأن ذلك قد يؤدي إلى اضطراب الأسواق وسلاسل التوزيع ويحرم أشخاصاً آخرين من احتياجاتهم.
النرويج: أسبوع كامل من الاستعداد
اعتمدت النرويج توصية أكثر تشدداً، إذ تطلب السلطات من الأسر أن تكون قادرة على تدبير شؤونها لمدة أسبوع كامل دون الاعتماد على الخدمات العامة بصورة طبيعية. نص التوجيه النرويجي: «ينبغي أن تكونوا قادرين على تدبير احتياجاتكم بأنفسكم لمدة أسبوع، حتى في غياب الكهرباء والمياه والصرف الصحي والإنترنت وشبكات الهاتف المحمول ووسائل الدفع المعتادة». وتوضح السلطات أن السيناريوهات المحتملة تشمل العواصف والكوارث الطبيعية والأوبئة والحوادث والتخريب، وصولاً إلى الأعمال الحربية في أسوأ الحالات.
بلجيكا: الاستعداد لمدة ثلاثة أيام
أطلق المركز الوطني البلجيكي للأزمات حملة لتشجيع المواطنين على إعداد حقيبة طوارئ منزلية تكفي لمدة 72 ساعة. وقال وزير الأمن والشؤون الداخلية البلجيكي برنار كوينتان، وفق ما نقلته وسائل الإعلام المحلية، إن الأمر يتعلق بتوفير الماء وبعض الأغذية غير القابلة للتلف ومخزون من الأدوية والمصابيح اليدوية. نص الرسالة البلجيكية: «كونوا قادرين على الاعتماد على أنفسكم لمدة 72 ساعة عند وقوع أزمة». وتؤكد السلطات أن هذه الإجراءات لا تستهدف إثارة الخوف، بل تمكين السكان من مواجهة الاضطرابات المؤقتة في الخدمات الأساسية.
الدنمارك: ثلاثة أيام من الاعتماد على الذات
تدعو الوكالة الدنماركية لإدارة الطوارئ المواطنين إلى الاستعداد لتلبية احتياجاتهم الأساسية لمدة ثلاثة أيام. نص التوجيه الدنماركي: «إذا استطعت تدبير أمورك بنفسك لمدة ثلاثة أيام، فإن السلطات ستكون قادرة على التركيز على مساعدة الأشخاص الأكثر هشاشة وتحقيق الاستقرار في الوضع». وتشمل التوصيات المياه والغذاء والأدوية والوسائل اللازمة للتدفئة والإضاءة والاتصال، مع مراعاة ظروف كل أسرة.
السويد: الاستعداد لمدة أسبوع في حالة الأزمة أو الحرب
تتميز السويد بوضوح أكبر في الربط بين الاستعداد المدني واحتمالات الحرب، حيث أصدرت دليلاً بعنوان «Om krisen eller kriget kommer»، أي «إذا وقعت الأزمة أو الحرب». وتدعو السلطات السويدية السكان إلى الاستعداد لتلبية احتياجاتهم الأساسية لمدة أسبوع على الأقل. نص الرسالة السويدية: «إذا وقعت أزمة أو حرب، يجب أن تكون مستعداً لتدبير احتياجاتك الأساسية لمدة أسبوع». وتشمل الاستعدادات تخزين المياه والغذاء، وتوفير وسائل التدفئة والإضاءة، والاحتفاظ بمذياع يعمل بالبطاريات، والتعرف على الملاجئ وإجراءات الإنذار.
النرويج والسويد وألمانيا.. اختلاف في مستويات الاستعداد
تكشف مقارنة التوصيات الرسمية عن تفاوت واضح في المدة التي تطلب الحكومات من مواطنيها الاستعداد لها:
- الاتحاد الأوروبي: 72 ساعة.
- فرنسا: 72 ساعة.
- هولندا: 72 ساعة.
- بلجيكا: 72 ساعة.
- الدنمارك: 3 أيام.
- فنلندا: 3 أيام.
- بولندا: تجهيزات ومؤونة لعدة أيام، مع دليل خاص بالأزمات والحرب.
- السويد: أسبوع واحد.
- النرويج: أسبوع واحد.
- ألمانيا: عشرة أيام.
ماذا تعني هذه الاستعدادات؟
لا يمكن قراءة هذه التحركات بمعزل عن التحولات الأمنية التي شهدتها القارة الأوروبية منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فيفري 2022، وما رافقها من إعادة تقييم للقدرات الدفاعية، ومخاطر الحرب الهجينة والهجمات على البنية التحتية وشبكات الطاقة والاتصالات. كما أن دول شمال وشرق أوروبا، خصوصاً فنلندا والسويد وبولندا ودول البلطيق، تعمل على تعزيز الملاجئ المدنية وخطط الإجلاء والتدريب على مواجهة الطوارئ. وفي 26 أكتوبر 2026، سلط تقرير لصحيفة «لوموند» الفرنسية الضوء على استعدادات دول شمال وشرق أوروبا لاحتمالات الحرب، بما يشمل تطوير الملاجئ وتعزيز البنية التحتية وتوسيع خطط الدفاع المدني.
لكن من المهم التأكيد أن هذه الإجراءات لا تمثل إعلاناً رسمياً عن موعد حرب جديدة، ولا تثبت وجود قرار أوروبي باندلاع مواجهة عسكرية قريبة. إنها تعكس تقديراً متزايداً لاحتمالات المخاطر، ورغبة في تقليص اعتماد السكان على الإمدادات الفورية في الساعات الأولى لأي أزمة. أوروبا، التي اعتادت لعقود أن تنظر إلى الحرب باعتبارها احتمالاً بعيداً عن أراضيها، تعيد اليوم إدخال ثقافة الاستعداد المدني إلى الحياة اليومية. والسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يتعلق الأمر بمجرد سياسة وقائية لمواجهة عالم أكثر اضطراباً، أم أن الحكومات الأوروبية تتعامل مع سيناريوهات أمنية لم تعد تعتبرها مستبعدة؟