ولا يختلف اثنان على أن احترام قانون المرور والمحافظة على الأرواح قيم تتماشى مع مقاصد الشريعة الإسلامية، التي تدعو إلى حفظ النفس واحترام النظام العام. غير أن هذا التوجه أعاد إلى الواجهة سؤالاً آخر: هل استوفى الخطاب الديني معالجة القضايا الدينية والفكرية التي تفرضها المرحلة، حتى ينتقل إلى التركيز على ملفات ذات طابع مدني وإجرائي؟ يرى متابعون أن من أولويات المؤسسة الدينية اليوم ترسيخ معالم الإسلام الوسطي المعتدل، وتعزيز ثقافة التسامح والتعايش بين الأديان، والتصدي لخطابات التطرف والتعصب والتشدد التي تستغل الدين لتبرير الانغلاق والكراهية. كما يطالبون بتكثيف الجهود لترسيخ قيم الأخلاق والمواطنة والانتماء الوطني والانفتاح على الآخر، وهي مبادئ طالما شكلت جوهر الرسالة الإسلامية. وفي هذا السياق، يبرز تساؤل حول مدى الحاجة إلى تطوير آليات عمل وزارة الشؤون الدينية، ليس فقط من خلال إصدار التوجيهات، وإنما أيضاً عبر تقييم مضمون الخطب الدينية، وقياس أثرها في المجتمع، وتكوين الأئمة والخطباء بما يستجيب للتحولات الفكرية والاجتماعية التي تعرفها البلاد.
ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن قضايا مثل احترام قانون المرور والسلوك المدني تظل، في المقام الأول، من اختصاص المؤسسات المكلفة بتطبيق القانون والتوعية المرورية، في حين يفترض أن يركز الخطاب الديني على بناء الوعي الأخلاقي والفكري الذي يشكل أساس احترام القانون وسائر القيم المدنية. وفي ظل ما تشهده تونس من تحديات داخلية وخارجية، يرى كثيرون أن المنبر الديني يمكن أن يؤدي دوراً محورياً في تعزيز الوحدة الوطنية، ونشر ثقافة الاعتدال، ومواجهة كل أشكال الفتنة والتطرف، بما يسهم في تحصين المجتمع والحفاظ على تماسكه. ويبقى الجدل مفتوحاً حول طبيعة الموضوعات التي ينبغي أن تتناولها خطب الجمعة، لكن الثابت أن المسجد يظل فضاءً للتوجيه الروحي والأخلاقي، وأن نجاح الخطاب الديني يقاس بقدرته على ترسيخ قيم الوسطية، وتعزيز المواطنة، وبناء إنسان يحترم دينه ووطنه والقانون في آن واحد.

