خلال شهر أوت، تلتقي الفنانة جمهورها في أكثر من موعد؛ يوم 13 أوت بمدينة القصيبة مع نادي «البية»، ثم يوم 16 أوت بالساحلين ضمن فعاليات مهرجان سيدي بوفارس. حفلات تؤكد حضورها الفني المتواصل، لكنها تطرح في المقابل سؤالاً محرجاً: لماذا تغيب مثل هذه الأسماء عن دائرة الضوء الإعلامية، في وقت تتضاعف فيه المهرجانات الصيفية وتتسع ميزانياتها عاماً بعد آخر؟ سنية بن عبد الله ليست اسماً جديداً في الساحة الموسيقية. فهي أستاذة في الموسيقى العربية، وخريجة المعهد العالي للموسيقى بسوسة، كما توجت بالجائزة الأولى في مهرجان الأغنية التونسية سنة 2002، ونالت الجائزة الأولى في مهرجان الإذاعة والتلفزيون بالقاهرة. وإلى جانب مسيرتها الفنية، تشرف على نادي الطرب والموسيقى «البية»، حيث تواصل العمل على صون التراث الموسيقي التونسي وإحياء الأغنية الطربية الأصيلة. بعيداً عن منطق «الترند» والسعي المحموم وراء نسب المشاهدة، اختارت سنية بن عبد الله أن تراهن على ما يبقى: جودة الأداء، وثقافة موسيقية راسخة، وصوت يحمل هوية فنية واضحة. وهي عناصر أصبحت، في زمن تهيمن فيه الضوضاء على حساب القيمة، أكثر ندرة من أي وقت مضى. المفارقة أن كثيراً من المهرجانات التي تحمل صفة «الدولية» تفتح منصاتها أحياناً لمن يجيد صناعة الجدل أكثر مما يجيد صناعة الفن، بينما يجد فنانون أصحاب تجربة حقيقية أنفسهم خارج دائرة الاهتمام الإعلامي، رغم امتلاكهم رصيداً فنياً وثقافياً يستحق التقدير.
المشكلة ليست في سنية بن عبد الله، فهي لم تتوقف يوماً عن الغناء والعمل والإبداع. المشكلة في مشهد ثقافي وإعلامي بات يمنح الأولوية لما يثير الضجيج، لا لما يصنع الذاكرة. فالفن الذي تقدمه لا يحتاج إلى مؤثرات أو حملات دعائية صاخبة، لأنه يستند إلى التراث، والطرب، والأغنية التونسية الأصيلة، وهي قيم قادرة على الصمود أمام تقلبات الموضة. وفي زمن أصبح فيه «البوز» طريقاً مختصراً إلى الشهرة، تبدو المحافظة على الأغنية الراقية شكلاً من أشكال المقاومة الثقافية. لذلك يبقى السؤال مطروحاً: هل نريد مهرجانات تكتفي بملء المدارج لساعات، أم مهرجانات تترك أثراً في الذاكرة لسنوات؟ سنية بن عبد الله تنتمي إلى المدرسة التي تؤمن بأن الفن الحقيقي لا يقاس بعدد المشاهدات، بل بقدرته على البقاء. والذاكرة، في النهاية، لا تحتاج إلى ضجيج... يكفيها صوت صادق يعرف جذوره، ويعرف جيداً إلى أين يمضي.

