وخلال الساعات الأخيرة، تداولت وسائل إعلام ومنصات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تظهر عدداً من الشبان المغاربة وهم يغادرون مركز الإيواء في سبتة ويتوغلون داخل المدينة الساحلية، في محاولة للإفلات من إجراءات الاحتجاز ومواصلة رحلتهم نحو أوروبا. وتأتي هذه التطورات بعد موجة غير مسبوقة من محاولات العبور سباحة أو عبر الحواجز البحرية، أدت إلى وصول أعداد كبيرة من المهاجرين إلى المدينة الإسبانية خلال أيام قليلة.
وتكتسب هذه المشاهد بعداً سياسياً وإعلامياً خاصاً لأنها تتزامن مع خطاب رسمي يؤكد أن المغرب يعيش مرحلة من الإنجازات الاقتصادية الكبرى، مستنداً إلى مشاريع البنية التحتية، وتطور الصناعات، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، خاصة في قطاعي السيارات والطاقات المتجددة. لكن الواقع الذي تعكسه صور سبتة يبدو مختلفاً بالنسبة إلى آلاف الشباب الذين لا يقيسون نجاح الاقتصادات بحجم الاستثمارات أو أرقام النمو، بل بقدرتهم على الحصول على فرصة عمل، وسكن كريم، وأفق يضمن لهم مستقبلاً داخل وطنهم. ويذهب عدد من المراقبين إلى أن استمرار محاولات الهجرة الجماعية يكشف وجود فجوة بين المؤشرات الاقتصادية الكلية والواقع الاجتماعي الذي يعيشه جزء من الشباب، خصوصاً في المناطق التي تعاني نسب بطالة مرتفعة أو محدودية الفرص الاقتصادية.
فالنمو الاقتصادي لا ينعكس بالضرورة بسرعة على مختلف الفئات، وهو ما يجعل الهجرة بالنسبة إلى كثيرين خياراً رغم مخاطره. كما تعيد أحداث سبتة إلى الواجهة التحديات التي تواجهها السلطات الإسبانية والمغربية في إدارة ملف الهجرة، خاصة مع تزايد الضغوط على مراكز الإيواء واستمرار محاولات العبور الجماعي نحو المدينة الواقعة على الساحل الشمالي للمغرب. وبين خطاب الإنجازات الاقتصادية وصور الشبان الفارين من مراكز الإيواء، يبقى السؤال مطروحاً: هل تكفي المؤشرات الاقتصادية الكبرى لإقناع الشباب بالبقاء، أم أن المعيار الحقيقي للنجاح يظل في قدرة الاقتصاد على خلق فرص حياة كريمة يشعر بها المواطن في حياته اليومية؟ فالهجرة، في نهاية المطاف، ليست مجرد انتقال من بلد إلى آخر، بل هي في كثير من الأحيان تصويت صامت بالأقدام على واقع يعتقد أصحابه أنه لم يعد يمنحهم ما يكفي من الأمل.

