عاجل
إعلان RTN ACADEMY
ثقافة

نبيهة كراولي في امتحان الركح

نبيهة كراولي تعيد نفسها في مهرجان قرطاج
نبيهة كراولي تعيد نفسها في مهرجان قرطاج

نبيهة كراولي تعيد نفسها في مهرجان قرطاج

أحيت نبيهة كراولي حفلا فنيا بالمسرح الأثري بقرطاج في إطار المهرجان الدولي وقد لفت انتباهنا التكرار الركيك للأغاني والحضور الركحي القديم وبرمجة تحت عنوان لا جديد يذكر في حين كان الجمهور ينتظر من الفنانة نبيهة الكراولي إبداعات حديثة.
كتب : شكري بن حسين / تونس - المساء
⏱ 1 دقائق للقراءة 📊 إحصائيات
ذهبتُ إلى سهرة نبيهة كراولي في قرطاج، وكنتُ أنتظر تلك اللحظة التي تتصالح فيها الأغنية مع الجسد، والإيقاع مع الركح، والفنان مع جمهوره. لكن شيئًا ما كان يمشي في اتجاه، ونبيهة كانت تمشي في اتجاه آخر.

الأغاني كانت هناك… تونسية، جميلة، مليئة بالإيقاع والحياة، وفيها تلك القدرة الغريبة على تحريك الجمهور من الداخل قبل أن تحرّكه من الخارج. أما نبيهة، فكانت كأنها جاءت من سهرة أخرى. الأغنية تقول: «هيا نغنيو ونفرحو»، وملامحها تقول: «دعوني وشأني». الإيقاع يركض، وهي تمشي. الموسيقى ترقص، وهي تكاد تعتذر للجمهور عن إزعاجه. كان هناك انفصال غريب بين ما نسمعه وما نراه. الأغاني في وادٍ، ونبيهة في وادٍ آخر. وحتى حركاتها فوق الركح كانت ثقيلة، بطيئة، لا تحمل تلك الطاقة التي تحتاجها أغنية تونسية قادرة على إشعال المدرجات. الفنان ليس مجرد صوت فوق موسيقى؛ الفنان هو أيضًا جسد، نظرة، ابتسامة، حركة، لحظة صمت، وشرارة تنتقل من الركح إلى الجمهور.

أما علاقتها بالجمهور، فلم تكن في أفضل حالاتها. الجمهور لا يحتاج إلى خطبة بروتوكولية، ولا ينتظر من الفنان أن يتحول فجأة إلى عريف حفل ليستقبل الوزير والمسؤولين. مع كامل الاحترام للوزير وللمسؤولين، الجمهور جاء من أجل نبيهة، لا من أجل قائمة الحضور الرسمية. الركح فضاء الفن، وليس قاعة اجتماعات إدارية. والأغرب أن نبيهة تملك ما يكفي لتكون في قلب السهرة: أغاني جميلة، ذاكرة فنية، لون تونسي واضح، وأعمال يعرفها الجمهور ويحفظها. المشكلة ليست في غياب الرصيد، بل ربما في أن هذا الرصيد بدأ يتحول إلى متحف.

وهنا نصل إلى مرض تونسي أوسع من نبيهة كراولي وحدها: الفنان التونسي كثيرًا ما ينجح في أغنية أو أغنيتين أو ثلاث… ثم يقرر أن يعيش بقية حياته داخلها.الأغنية تنجح، فيفرح بها الفنان، تنجح أكثر، فيعيدها. يطلبها الجمهور، فيعيدها. ثم تصبح الأغنية بعد سنوات مثل الموظف العمومي الذي لا يمكن إحالته على التقاعد: موجود دائمًا، في كل حفل، في كل مهرجان، في كل ظهور، حتى تكاد تعرف في أي دقيقة سيبدأ، وفي أي دقيقة سينتهي.

إعلان gif agro

الفنان يكرر نفسه، والجمهور يكرر الحنين، والمنظّم يكرر البرنامج، والمهرجان يكرر الاسم… وفي النهاية يصبح الجميع سعداء بتكرار الماضي، بينما المستقبل واقف خارج الباب ينتظر دوره.

نبيهة كراولي ليست حالة منفردة. هي جزء من ظاهرة فنية تونسية أوسع: ننجح في صناعة الأغنية، لكننا لا ننجح دائمًا في صناعة المسيرة. نملك أغنية تعيش عشرين سنة، لكننا نعجز أحيانًا عن صناعة أغنية أخرى تنافسها. نملك لحظة مجيدة، ثم نقضي العمر كله في الاحتفال بتلك اللحظة.

والفن، في رأيي، لا يُقاس بعدد المرات التي يصفق فيها الناس لأغنية قديمة، بل بقدرة الفنان على جعل الجمهور يقول: «هذه أيضًا نريد أن نسمعها غدًا».

إعلان gif agro

الجمهور التونسي ليس غبيًا

هو يحب الذاكرة، نعم، لكنه لا يريد أن يتحول إلى حارس لمتحف الأغاني القديمة. يريد أن يسمع ما يعرف، لكنه يريد أيضًا أن يكتشف ما لا يعرف. ولهذا ربما كانت مشكلة سهرة نبيهة كراولي في قرطاج ليست أن الأغاني ضعيفة؛ بالعكس، بعض الأغاني كانت أقوى من الحضور نفسه. المشكلة أن الأغنية كانت تمتلك حياة أكثر من صاحبتها فوق الركح. وهذه مفارقة قاسية جدًا بالنسبة إلى الفنان: أن تكون أغنيتك أكثر نشاطًا منك، وأن يرقص الإيقاع بينما تبقى ملامحك حزينة، وأن يكون الجمهور مستعدًا للفرح بينما أنت تبدو كأنك تنتظر نهاية الحفل.

ربما تحتاج نبيهة كراولي اليوم إلى أكثر من أغنية جديدة. تحتاج إلى إعادة اكتشاف نفسها فوق الركح. إلى مصالحة بين صوتها وجسدها، بين ذاكرتها وحاضرها، وبين الفنانة التي كانت والجمهور الذي تغيّر. فالجمهور لا يريد من الفنان أن يعيد له شبابه كل ليلة. يريد منه أن يمنحه سببًا جديدًا للفرح.

إعلان gif agro
مرتضى الفتيتي لجريدة المساء: قرطاج ليس مقياس النجاح
إقرأ كذلك
مرتضى الفتيتي لجريدة المساء: قرطاج ليس مقياس النجاح
نشر يوم 2026-08-02

أضف تعليق






اقرأ أيضا

مؤثرة مغربية تحت الرقابة الرقمية

المغرب: المؤثرة سكينة غلامور أمام التحقيق بتهمةمخالفة الآداب العامة

أوقفت السلطات المغربية المؤثرة الرقمية سكينة جناح، المعروفة على منصات التواصل ال...

إقرأ المزيد
أزمة نفسية على متن حاملة طائرات أبراهام لينكولن

عائلات المارينز تواجه البحرية الأمريكية وتحذر من نقطة الانهيار

كشفت تقارير إعلامية أمريكية وفرنسية عن تصاعد المخاوف بشأن الأوضاع النفسية والمعي...

إقرأ المزيد
مأساة في مول أرابيلا بالقاهرة 3 أرواح تسقط

مصر: حريق مروع داخل مول أرابيلا بالقاهرة، 3 وفيات

شهد مول أرابيلا بمنطقة التجمع في القاهرة، منذ قليل، حادثًا مأساويًا إثر اندلاع ح...

إقرأ المزيد
كيف يصنع القائد الرياضي فريقا ناجحا؟

القيادة الرياضية أو فن التأثير في صناعة النجاح

لم تعد القيادة الرياضية في العصر الحديث مجرد منصب إداري أو سلطة يمنحها الموقع ال...

إقرأ المزيد
مهرجان قابس يلغي عرض نوردو بسبب عطب سيارة

قابس: حين تتعطل السيارة، يتعطّل معها المهرجان

في المهرجانات التونسية، لم تعد المفاجآت تبدأ فوق الركح، بل أصبحت تبدأ في الطريق ...

إقرأ المزيد
ليبيا تبحث عن مخرج من الانقسام

أصوات تدعو إلى حوار ليبي ليبي في تونس

رغم ما تشهده ليبيا منذ سنوات من انقسامات سياسية وأمنية، وما رافقها من صراعات مسل...

إقرأ المزيد
سكان قرية المرجية ينادون بحياة كريمة للحكومة المصرية

مصر: قرية المرجية خارجة عن حسابات التنمية

في أقصى الصعيد المصري المعاناة يومية. وتبدو قرية المرجية التابعة لمركز دشنا بمحا...

إقرأ المزيد
نقابة الصحفيين المصريين تحمي المهنة من المتطفلين

نقابة الصحفيين المصريين تخوض معركة ضد الكيانات الوهمية

لم تعد ظاهرة انتحال صفة الصحفي مجرد حالات فردية متفرقة، بل تحولت خلال السنوات ال...

إقرأ المزيد
تونس تحت الظلام لمدة 6 دقائق يوم 2 أوت 2027

كسوف 2027 سيمر على تونس وسيفتح فرصة للاستثمار السياحي

تستعد منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط، يوم 2 أوت 2027، لاستقبال واحد من أكثر ال...

إقرأ المزيد
بعد دق ناقوس الخطر، بلاغ النادي الصفاقسي يحسم الجدل

النادي الصفاقسي: رسالة طمأنة تؤكد تماسك الهيئة ودور منصف السلامي

بعد المقال الذي نشرناه سابقًا، والذي حرصنا من خلاله على لفت الانتباه إلى وضعية ا...

إقرأ المزيد