الأغاني كانت هناك… تونسية، جميلة، مليئة بالإيقاع والحياة، وفيها تلك القدرة الغريبة على تحريك الجمهور من الداخل قبل أن تحرّكه من الخارج. أما نبيهة، فكانت كأنها جاءت من سهرة أخرى. الأغنية تقول: «هيا نغنيو ونفرحو»، وملامحها تقول: «دعوني وشأني». الإيقاع يركض، وهي تمشي. الموسيقى ترقص، وهي تكاد تعتذر للجمهور عن إزعاجه. كان هناك انفصال غريب بين ما نسمعه وما نراه. الأغاني في وادٍ، ونبيهة في وادٍ آخر. وحتى حركاتها فوق الركح كانت ثقيلة، بطيئة، لا تحمل تلك الطاقة التي تحتاجها أغنية تونسية قادرة على إشعال المدرجات. الفنان ليس مجرد صوت فوق موسيقى؛ الفنان هو أيضًا جسد، نظرة، ابتسامة، حركة، لحظة صمت، وشرارة تنتقل من الركح إلى الجمهور.
أما علاقتها بالجمهور، فلم تكن في أفضل حالاتها. الجمهور لا يحتاج إلى خطبة بروتوكولية، ولا ينتظر من الفنان أن يتحول فجأة إلى عريف حفل ليستقبل الوزير والمسؤولين. مع كامل الاحترام للوزير وللمسؤولين، الجمهور جاء من أجل نبيهة، لا من أجل قائمة الحضور الرسمية. الركح فضاء الفن، وليس قاعة اجتماعات إدارية. والأغرب أن نبيهة تملك ما يكفي لتكون في قلب السهرة: أغاني جميلة، ذاكرة فنية، لون تونسي واضح، وأعمال يعرفها الجمهور ويحفظها. المشكلة ليست في غياب الرصيد، بل ربما في أن هذا الرصيد بدأ يتحول إلى متحف.
وهنا نصل إلى مرض تونسي أوسع من نبيهة كراولي وحدها: الفنان التونسي كثيرًا ما ينجح في أغنية أو أغنيتين أو ثلاث… ثم يقرر أن يعيش بقية حياته داخلها.الأغنية تنجح، فيفرح بها الفنان، تنجح أكثر، فيعيدها. يطلبها الجمهور، فيعيدها. ثم تصبح الأغنية بعد سنوات مثل الموظف العمومي الذي لا يمكن إحالته على التقاعد: موجود دائمًا، في كل حفل، في كل مهرجان، في كل ظهور، حتى تكاد تعرف في أي دقيقة سيبدأ، وفي أي دقيقة سينتهي.
الفنان يكرر نفسه، والجمهور يكرر الحنين، والمنظّم يكرر البرنامج، والمهرجان يكرر الاسم… وفي النهاية يصبح الجميع سعداء بتكرار الماضي، بينما المستقبل واقف خارج الباب ينتظر دوره.
نبيهة كراولي ليست حالة منفردة. هي جزء من ظاهرة فنية تونسية أوسع: ننجح في صناعة الأغنية، لكننا لا ننجح دائمًا في صناعة المسيرة. نملك أغنية تعيش عشرين سنة، لكننا نعجز أحيانًا عن صناعة أغنية أخرى تنافسها. نملك لحظة مجيدة، ثم نقضي العمر كله في الاحتفال بتلك اللحظة.
والفن، في رأيي، لا يُقاس بعدد المرات التي يصفق فيها الناس لأغنية قديمة، بل بقدرة الفنان على جعل الجمهور يقول: «هذه أيضًا نريد أن نسمعها غدًا».
الجمهور التونسي ليس غبيًا
هو يحب الذاكرة، نعم، لكنه لا يريد أن يتحول إلى حارس لمتحف الأغاني القديمة. يريد أن يسمع ما يعرف، لكنه يريد أيضًا أن يكتشف ما لا يعرف. ولهذا ربما كانت مشكلة سهرة نبيهة كراولي في قرطاج ليست أن الأغاني ضعيفة؛ بالعكس، بعض الأغاني كانت أقوى من الحضور نفسه. المشكلة أن الأغنية كانت تمتلك حياة أكثر من صاحبتها فوق الركح. وهذه مفارقة قاسية جدًا بالنسبة إلى الفنان: أن تكون أغنيتك أكثر نشاطًا منك، وأن يرقص الإيقاع بينما تبقى ملامحك حزينة، وأن يكون الجمهور مستعدًا للفرح بينما أنت تبدو كأنك تنتظر نهاية الحفل.
ربما تحتاج نبيهة كراولي اليوم إلى أكثر من أغنية جديدة. تحتاج إلى إعادة اكتشاف نفسها فوق الركح. إلى مصالحة بين صوتها وجسدها، بين ذاكرتها وحاضرها، وبين الفنانة التي كانت والجمهور الذي تغيّر. فالجمهور لا يريد من الفنان أن يعيد له شبابه كل ليلة. يريد منه أن يمنحه سببًا جديدًا للفرح.

