وفي خضم هذا المشهد المعقد، تبرز تونس باعتبارها إحدى الدول التي ينظر إليها عدد كبير من الليبيين باعتبارها فضاءً مناسباً للحوار والتقارب، بالنظر إلى علاقاتها التاريخية والاجتماعية العميقة مع الشعب الليبي، فضلاً عن قربها الجغرافي وحرصها، في مراحل مختلفة من الأزمة، على الدفع باتجاه الحلول السياسية.
بلد واحد بسلطات متنازعة
لا يخفى أن ليبيا عاشت خلال السنوات الماضية حالة من الانقسام السياسي والمؤسساتي، انعكست على الوضعين الأمني والاقتصادي وأثرت بصورة مباشرة في حياة المواطنين. وقد أدت الخلافات بين الأطراف السياسية والعسكرية إلى جولات من التوتر والمواجهات، سقط خلالها ضحايا من المدنيين والعسكريين، في وقد أصبحت فيه الساحة الليبية محل اهتمام وتنافس إقليمي ودولي متزايد. وتزداد المفارقة إيلاماً عندما يتعلق الأمر ببلد يمتلك إمكانات طبيعية هائلة، وفي مقدمتها النفط والغاز، إلى جانب مساحات شاسعة وموارد يمكن أن تجعل من ليبيا دولة ذات اقتصاد قوي وقادرة على توفير مستويات أفضل من العيش لمواطنيها. غير أن استمرار الانقسام والصراع على النفوذ والثروة والمؤسسات حال دون الاستفادة الكاملة من هذه الإمكانات، وأبقى شريحة واسعة من الليبيين أمام تحديات اقتصادية واجتماعية وأمنية متواصلة.
ليبيا تحتاج إلى حل ليبي
وفي ظل هذا الواقع، تبرز دعوات من داخل المجتمع المدني الليبي تؤكد أن الطريق إلى الاستقرار لا يمكن أن يمر إلا عبر حوار يجمع الليبيين أنفسهم، ويضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات السياسية والمصالح الضيقة. وفي هذا السياق، كان لنا لقاء مؤخراً في منطقة البحيرة 2 بالعاصمة تونس مع الدكتور علي عبد الله حسين، أحد الأعضاء الفاعلين في مجلس السلام الليبي بالمنطقة الغربية، حيث تحدث عن تحركات سلمية وبرنامج يهدف، وفق تصوره، إلى الدفع نحو توحيد الكلمة والصف الليبي، وتهيئة الظروف السياسية اللازمة للوصول لاحقاً إلى انتخابات تحظى بقبول مختلف الأطراف. وأوضح حسين أن التحرك المقترح يقوم على الحوار والتواصل مع مختلف المكونات والأطراف، مع إمكانية الاستفادة من الدعم العربي والدولي، ولكن مع التشديد على أن يكون جوهر الحل ليبيّاً-ليبيّاً، وأن تكون الأولوية لإنهاء حالة الانقسام وبناء توافق وطني قادر على إعادة توحيد مؤسسات الدولة.
تونس.. مساحة للقاء لا ساحة للصراع
ويرى حسين أن تونس يمكن أن تضطلع بدور مهم في هذا المسار، باعتبارها بلداً شقيقاً يحظى، بحسب تعبيره، بثقة واسعة لدى الليبيين، ويمكن أن توفر أرضية مناسبة للقاء الفرقاء وإجراء الحوارات بعيداً عن أجواء التوتر.
وهذا التصور لا ينفصل عن خصوصية العلاقات التونسية الليبية، التي تتجاوز العلاقات الرسمية بين دولتين متجاورتين، لتشمل روابط اجتماعية وعائلية واقتصادية وثقافية ضاربة في التاريخ. فكثير من العائلات على جانبي الحدود ترتبط بصلات القرابة والمصاهرة، كما أن حركة التنقل والتبادل بين البلدين جعلت من العلاقة التونسية الليبية نموذجاً مختلفاً في المنطقة المغاربية. ولذلك، ينظر كثير من الليبيين إلى تونس باعتبارها مساحة آمنة للتواصل، وبلداً يمكن أن يحتضن لقاءات تجمع مختلف الأطراف عندما تتعقد قنوات الحوار داخل ليبيا.
ذاكرة المواقف الإنسانية
كما تستند صورة تونس لدى قطاعات من الليبيين إلى مواقفها خلال مراحل الأزمة، ولا سيما خلال سنوات الحرب والاضطراب التي عاشتها ليبيا، حين تحولت الأراضي التونسية إلى ملاذ لآلاف الليبيين الذين لجأوا إليها طلباً للأمن والعلاج والعمل، في وقت كانت فيه الحدود تشهد حركة غير مسبوقة بين البلدين. ومن هنا، يرى أصحاب هذه المبادرات أن تونس تمتلك رصيداً من الثقة يمكن أن يساعدها على لعب دور في تقريب وجهات النظر، شريطة أن يبقى هذا الدور قائماً على الحياد واحترام القرار الليبي وعدم الانحياز إلى أي طرف.
هل تكون تونس محطة جديدة للحوار؟
يبقى التحدي الأكبر أمام ليبيا هو تحويل الرغبة في المصالحة إلى مسار سياسي فعلي قادر على إنهاء الانقسام، وتوحيد المؤسسات، وضمان الأمن، ثم الوصول إلى انتخابات تتيح لليبيين اختيار ممثليهم بصورة واضحة وشفافة. وفي هذا الإطار، فإن الدعوات إلى احتضان تونس لحوار ليبي-ليبي تستحق المتابعة، خصوصاً إذا تمكنت المبادرات المدنية من جمع شخصيات ومكونات اجتماعية وسياسية مختلفة حول طاولة واحدة. فليبيا، بثرواتها وموقعها الجغرافي وعمقها الاجتماعي، لا تحتاج إلى مزيد من ساحات الصراع بقدر حاجتها إلى مساحة للقاء. والرهان الحقيقي يبقى على قدرة الليبيين أنفسهم على تجاوز خلافاتهم، وعلى قدرة الدول الشقيقة، وفي مقدمتها تونس، على توفير بيئة تساعدهم على الوصول إلى تفاهمات تحفظ وحدة ليبيا وسيادتها واستقرارها. وفي النهاية، قد يكون أقصر طريق للخروج من الأزمة هو ذلك الذي يبدأ من قناعة بسيطة: أن ليبيا لا يمكن أن تُبنى إلا بأيدي الليبيين، وأن الحوار، مهما طال، يبقى أقل كلفة من الحرب والانقسام.

