عاجل
ثقافة

نبيهة كراولي في امتحان الركح

نبيهة كراولي تعيد نفسها في مهرجان قرطاج
نبيهة كراولي تعيد نفسها في مهرجان قرطاج

نبيهة كراولي تعيد نفسها في مهرجان قرطاج

أحيت نبيهة كراولي حفلا فنيا بالمسرح الأثري بقرطاج في إطار المهرجان الدولي وقد لفت انتباهنا التكرار الركيك للأغاني والحضور الركحي القديم وبرمجة تحت عنوان لا جديد يذكر في حين كان الجمهور ينتظر من الفنانة نبيهة الكراولي إبداعات حديثة.
كتب : شكري بن حسين / تونس - المساء
⏱ 3 دقائق للقراءة 📊 إحصائيات
ذهبتُ إلى سهرة نبيهة كراولي في قرطاج، وكنتُ أنتظر تلك اللحظة التي تتصالح فيها الأغنية مع الجسد، والإيقاع مع الركح، والفنان مع جمهوره. لكن شيئًا ما كان يمشي في اتجاه، ونبيهة كانت تمشي في اتجاه آخر.
🔔
اشترك في التنبيهات
آخر الأخبار فور نشرها مباشرة على هاتفك
📱

تنبيهات فورية

الأغاني كانت هناك… تونسية، جميلة، مليئة بالإيقاع والحياة، وفيها تلك القدرة الغريبة على تحريك الجمهور من الداخل قبل أن تحرّكه من الخارج. أما نبيهة، فكانت كأنها جاءت من سهرة أخرى. الأغنية تقول: «هيا نغنيو ونفرحو»، وملامحها تقول: «دعوني وشأني». الإيقاع يركض، وهي تمشي. الموسيقى ترقص، وهي تكاد تعتذر للجمهور عن إزعاجه. كان هناك انفصال غريب بين ما نسمعه وما نراه. الأغاني في وادٍ، ونبيهة في وادٍ آخر. وحتى حركاتها فوق الركح كانت ثقيلة، بطيئة، لا تحمل تلك الطاقة التي تحتاجها أغنية تونسية قادرة على إشعال المدرجات. الفنان ليس مجرد صوت فوق موسيقى؛ الفنان هو أيضًا جسد، نظرة، ابتسامة، حركة، لحظة صمت، وشرارة تنتقل من الركح إلى الجمهور.

أما علاقتها بالجمهور، فلم تكن في أفضل حالاتها. الجمهور لا يحتاج إلى خطبة بروتوكولية، ولا ينتظر من الفنان أن يتحول فجأة إلى عريف حفل ليستقبل الوزير والمسؤولين. مع كامل الاحترام للوزير وللمسؤولين، الجمهور جاء من أجل نبيهة، لا من أجل قائمة الحضور الرسمية. الركح فضاء الفن، وليس قاعة اجتماعات إدارية. والأغرب أن نبيهة تملك ما يكفي لتكون في قلب السهرة: أغاني جميلة، ذاكرة فنية، لون تونسي واضح، وأعمال يعرفها الجمهور ويحفظها. المشكلة ليست في غياب الرصيد، بل ربما في أن هذا الرصيد بدأ يتحول إلى متحف.

وهنا نصل إلى مرض تونسي أوسع من نبيهة كراولي وحدها: الفنان التونسي كثيرًا ما ينجح في أغنية أو أغنيتين أو ثلاث… ثم يقرر أن يعيش بقية حياته داخلها.الأغنية تنجح، فيفرح بها الفنان، تنجح أكثر، فيعيدها. يطلبها الجمهور، فيعيدها. ثم تصبح الأغنية بعد سنوات مثل الموظف العمومي الذي لا يمكن إحالته على التقاعد: موجود دائمًا، في كل حفل، في كل مهرجان، في كل ظهور، حتى تكاد تعرف في أي دقيقة سيبدأ، وفي أي دقيقة سينتهي.

الفنان يكرر نفسه، والجمهور يكرر الحنين، والمنظّم يكرر البرنامج، والمهرجان يكرر الاسم… وفي النهاية يصبح الجميع سعداء بتكرار الماضي، بينما المستقبل واقف خارج الباب ينتظر دوره.

نبيهة كراولي ليست حالة منفردة. هي جزء من ظاهرة فنية تونسية أوسع: ننجح في صناعة الأغنية، لكننا لا ننجح دائمًا في صناعة المسيرة. نملك أغنية تعيش عشرين سنة، لكننا نعجز أحيانًا عن صناعة أغنية أخرى تنافسها. نملك لحظة مجيدة، ثم نقضي العمر كله في الاحتفال بتلك اللحظة.

التلفزة التونسية تؤكد تمسك النادي الافريقي بالبث الحصري الرقمي
إقرأ كذلك
التلفزة التونسية تؤكد تمسك النادي الافريقي بالبث الحصري الرقمي
نشر يوم 2026-09-06

والفن، في رأيي، لا يُقاس بعدد المرات التي يصفق فيها الناس لأغنية قديمة، بل بقدرة الفنان على جعل الجمهور يقول: «هذه أيضًا نريد أن نسمعها غدًا».

الجمهور التونسي ليس غبيًا

هو يحب الذاكرة، نعم، لكنه لا يريد أن يتحول إلى حارس لمتحف الأغاني القديمة. يريد أن يسمع ما يعرف، لكنه يريد أيضًا أن يكتشف ما لا يعرف. ولهذا ربما كانت مشكلة سهرة نبيهة كراولي في قرطاج ليست أن الأغاني ضعيفة؛ بالعكس، بعض الأغاني كانت أقوى من الحضور نفسه. المشكلة أن الأغنية كانت تمتلك حياة أكثر من صاحبتها فوق الركح. وهذه مفارقة قاسية جدًا بالنسبة إلى الفنان: أن تكون أغنيتك أكثر نشاطًا منك، وأن يرقص الإيقاع بينما تبقى ملامحك حزينة، وأن يكون الجمهور مستعدًا للفرح بينما أنت تبدو كأنك تنتظر نهاية الحفل.

ربما تحتاج نبيهة كراولي اليوم إلى أكثر من أغنية جديدة. تحتاج إلى إعادة اكتشاف نفسها فوق الركح. إلى مصالحة بين صوتها وجسدها، بين ذاكرتها وحاضرها، وبين الفنانة التي كانت والجمهور الذي تغيّر. فالجمهور لا يريد من الفنان أن يعيد له شبابه كل ليلة. يريد منه أن يمنحه سببًا جديدًا للفرح.

مهرجان قرطاج: ليلة الختام بنكهة الجميل
إقرأ كذلك
مهرجان قرطاج: ليلة الختام بنكهة الجميل
نشر يوم 2026-08-15

أضف تعليق






اقرأ أيضا

الكرملين يوسع قبضته على الشركات الغربية

روسيا تضع يدها على أصول شركات غربية

في خطوة تطرح تساؤلات بشأن مستقبل الاستثمارات الأجنبية في روسيا، يتناول القرار ال...

إقرأ المزيد
نازار شهادات جنود إسرائيليين عن حرب غزة

وثائقي إسرائيلي يفتح ملف الحرب على غزة من داخل المؤسسة العسكرية

شهادات 24 عسكريًا إسرائيليًا، واتهامات بالتعتيم الإعلامي، ومواجهة مع الحكومة، و...

إقرأ المزيد
اللحوم الموردة في تونس، قصة أحمد العميري

اللحوم الموردة: من ميزان السوق إلى ميزان العدالة

قضية اللحوم الموردة في تونس تفتح ملف المال العام وصحة المستهلك، وتأتي حيثياتها ب...

إقرأ المزيد
هجرة الشباب تكشف أزمة الاتصال العمومي في تونس

تونس وصورة الدولة: الاتصال العمومي وهجرة الشباب

أزمة الاتصال العمومي في تونس تتقاطع مع هجرة الشباب والكفاءات نحو أوروبا، في وقت ...

إقرأ المزيد
صعود اليمين المتطرف في ألمانيا يهز الجدار الناري

لماذا صعد اليمين المتطرف في ألمانيا؟

صعود AfD في ألمانيا إلى 43.8% يفتح سؤالًا صعبًا: هل تستطيع الديمقراطية الألمانية...

إقرأ المزيد
كمال الغريبي يقود مشروعا صحيا ضخما في كينيا

كينيا وإيطاليا: كمال الغريبي يقود مشروعا صحيا ضخما

كينيا توقّع مع مجموعة GKSD الإيطالية مشروعًا لبناء 15 مستشفى باستثمار 419 مليون ...

إقرأ المزيد
بيان رسمي: الجزائر تقطع العلاقات الدبلوماسية مع الامارات

الجزائر تقرر قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات

أعلنت الحكومة الجزائرية، اليوم الخميس 10 سبتمبر 2026، قرارها قطع العلاقات الدبلو...

إقرأ المزيد
الصراع التونسي في الخارج، من واشنطن إلى بروكسيل

هل أصبح الخارج ساحة للصراع السياسي في تونس؟

تحقيق يتتبع بالوثائق مسار شبكات الضغط السياسي حول تونس من واشنطن وباريس إلى جنيف...

إقرأ المزيد
ثغرات التمديد، كيف تضيع حقوق الدولة في غياب الحسم القانوني

​واقع الثروات الطبيعية بين التطلعات الشعبية والالتزامات الدولية

تعتبر إدارة الثروات الطبيعية من أكثر القضايا إثارة للجدل في تونس، حيث ظلت عقود ا...

إقرأ المزيد
التلفزة التونسية تؤكد تمسك النادي الافريقي بالبث الحصري الرقمي

التلفزة التونسية تعرب عن أسفها لعدم بث مباراة النادي الإفريقي

​أصدرت مؤسسة التلفزة التونسية بيانًا رسميًا، أبدت فيه أسفها الشديد لعدم التمكن م...

إقرأ المزيد