وتأتي هذه التطورات في وقت تواصل فيه الحاملة، التي تضم نحو 5 آلاف من أفراد الطاقم والمشاة البحرية، مهمتها في منطقة الشرق الأوسط بعد مغادرتها سان دييغو في 21 نوفمبر 2025. وتشير تقارير حديثة إلى أن السفينة أمضت أكثر من 200 يوم في البحر مع فترات محدودة للغاية للتوقف في الموانئ، الأمر الذي أثار تساؤلات حول قدرة الطاقم على تحمل هذا الانتشار الطويل.
عائلات في حالة قلق
وفي سان دييغو، اجتمع نحو 200 من أفراد عائلات البحارة مع مسؤولين في البحرية الأمريكية للتعبير عن مخاوفهم بشأن الحالة النفسية لأبنائهم وأزواجهم، في لقاء تحول إلى مناسبة للضغط على القيادة العسكرية من أجل تقديم إجابات واضحة حول ظروف الانتشار وموعد عودة الحاملة. ونقلت تقارير عن أفراد من العائلات رسائل مقلقة تلقوها من أقاربهم على متن السفينة، تضمنت تعبيرات عن اليأس والإرهاق النفسي الشديد. كما تحدثت عائلات عن حالات حاول فيها بعض البحارة القفز من السفينة، قبل أن يتم التدخل لمنع وقوع الأسوأ. وتؤكد تقارير إعلامية مستقلة أن إحدى هذه الحالات انتهت بإنقاذ بحار بعد محاولة الذهاب إلى البحر. هذه الشهادات لا تعني بالضرورة وجود علاقة سببية مؤكدة بين طول الانتشار البحري وحالات إيذاء النفس، لكنها تعكس حجم القلق الذي أصبح يحيط بالحالة النفسية لأفراد الطاقم.
المهمة أولاً ولكن بأي ثمن؟
ولا تتوقف الشكاوى عند الجانب النفسي، إذ تتحدث شهادات نقلتها وسائل إعلام أمريكية عن ظروف معيشية صعبة على متن الحاملة، من بينها أعطال في بعض المرافق الصحية، ومشكلات في الاستحمام والغسيل، ونقص متكرر في بعض مستلزمات النظافة الشخصية. كما أثارت نوعية الطعام وكميات بعض المواد الغذائية انتقادات من جانب بعض البحارة وعائلاتهم، مع شكاوى من محدودية المنتجات الطازجة خلال الرحلة الطويلة. ونقلت تقارير عن بحارة قولهم إن بعض المواد الأساسية لا تتوافر بصورة منتظمة، فيما تحدث آخرون عن فقدان الوزن بسبب طبيعة الوجبات وظروف العمل القاسية.
وتزداد حدة المشكلة بالنظر إلى طبيعة عمل طاقم حاملة الطائرات، الذي يعمل على مدار الساعة في ظل عمليات عسكرية مستمرة، ما يجعل الإرهاق البدني والنفسي عاملاً بالغ الحساسية في الحفاظ على الجاهزية القتالية.
البحرية الأمريكية تنفي وجود ارتفاع في محاولات الانتحار
في المقابل، تؤكد البحرية الأمريكية أنها تدرك حجم الضغط الذي يفرضه الانتشار الطويل على العسكريين، وأنها توفر وسائل الدعم النفسي والمساعدة اللازمة للبحارة.
لكن مسؤولين في البحرية قالوا إنهم لم يرصدوا زيادة في حالات التفكير الانتحاري أو محاولات الانتحار المبلغ عنها على متن الحاملة، مشددين على ثقتهم بقدرة الطاقم على مواصلة المهمة، وعلى تقديرهم للتضحيات التي يقدمها أفراده.
كما رفض وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث ما وصفه بالتقارير التي تقدم صورة قاتمة عن ظروف الحاملة، واعتبر أن بعض ما نُشر بشأن أوضاعها قد جرى تحريفه أو تقديمه بصورة مضللة. وهنا تظهر المفارقة: في الوقت الذي تؤكد فيه القيادة العسكرية عدم وجود ارتفاع موثق في مؤشرات الانتحار، تتزايد شهادات العائلات والبحارة حول الإرهاق النفسي وظروف الحياة الصعبة، وهو ما دفع مشرعين أمريكيين إلى المطالبة بمزيد من الرقابة والتحقيق في أوضاع الطاقم.
انتشار استثنائي يختبر قدرة البحرية
كانت مهمة «أبراهام لينكولن» مقررة ضمن خطة انتشار عسكرية، إلا أن تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط أدت إلى تمديد وجودها في المنطقة. وتشير التقارير إلى أن الحاملة كانت مبرمجة في الأصل لفترة انتشار أقصر، قبل أن تجد نفسها أمام تمديدات متتالية ومهمة طويلة في منطقة عمليات ساخنة. وتستعد البحرية الأمريكية لإرسال حاملة الطائرات USS George Washington لتحل محل «لينكولن»، في خطوة تقول واشنطن إنها جزء من خطة تدوير للقوات، بينما ينظر إليها البعض أيضاً باعتبارها استجابة للضغوط المتزايدة بشأن طول مهمة الحاملة.
أزمة تتجاوز «أبراهام لينكولن»
ما يحدث على متن «أبراهام لينكولن» يفتح نقاشاً أوسع داخل الولايات المتحدة حول الصحة النفسية للقوات المسلحة، خصوصاً في ظل ارتفاع وتيرة الانتشار العسكري وتعدد ساحات العمليات. وبحسب التقرير التلفزيوني الفرنسي، تشير بيانات للبنتاغون إلى تسجيل نحو 500 حالة وفاة بالانتحار سنوياً بين أفراد القوات المسلحة خلال الفترة 2022-2024، وهو رقم يعكس حجم التحدي الذي تواجهه المؤسسة العسكرية، وإن كان لا يثبت بحد ذاته وجود علاقة مباشرة بين تلك الحالات والأوضاع على متن الحاملة.
وفي حالة «لينكولن» تحديداً، تبدو القضية أكبر من مجرد الطعام أو المرافق أو طول فترة الغياب عن اليابسة. إنها اختبار لقدرة مؤسسة عسكرية كبرى على المحافظة على جاهزية آلاف العسكريين عندما تتحول المهمة المؤقتة إلى انتشار طويل وغير واضح النهاية. فالسفينة قد تكون مصممة للعمل في البحر لأشهر، لكن قدرة الإنسان على تحمل العزلة والإرهاق والضغط المستمر لها حدودها أيضاً. وبين رواية البحرية وشهادات العائلات، تبقى الأسئلة المتعلقة بصحة البحارة النفسية وسلامتهم بحاجة إلى إجابات موثقة وشفافة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقوة عسكرية تضم آلاف الأشخاص وتعمل في واحدة من أكثر مناطق العالم توتراً.

