في قابس، جاء الجمهور في الموعد، امتلأت السهرة بالانتظار، وبدأ السؤال يتجوّل بين الصفوف: أين نوردو؟ هل تأخر؟ هل سيصل؟ هل الحفل قائم؟ أم أن الحفل هو الآخر عالق في مكان ما؟ ثم جاءت الإجابة: عائق يتعلق بالسيارة. وهنا، بصراحة، لا نعرف هل نضحك أم نتعاطف. لأن السيارة أصبحت فجأة بطلة السهرة، وغابت عن الركح دون أن يذكر اسمها في البرمجة، لكنها نجحت في سرقة العرض من الفنان والجمهور معًا. في تونس، حتى السيارات يمكن أن تدخل عالم الإنتاج الفني، وربما في الموسم القادم نرى ضمن البرنامج: نوردو، الفرقة الموسيقية، والـ«كلاكسون»… حسب الظروف.
اعتذار دون موسيقى
صعد مدير المهرجان على الركح واعتذر للجمهور، وهي خطوة تحسب له، خصوصًا أن الجمهور لم يأتِ إلى قابس لكي يسمع اعتذارًا، بل جاء لكي يسمع الغناء. لكنه وجد نفسه أمام نسخة جديدة من الحفل: حفل الاعتذار، من دون موسيقى، ومن دون فنان، ومن دون حتى تلك الأغنية التي كان ينتظرها. الأجمل أن الهيئة أعلنت إعادة الحفل يوم 26 أوت، مع إرجاع قيمة التذاكر. وهنا تدخل الفلسفة من الباب الكبير: أحيانًا لا تكفي النوايا الحسنة لإنقاذ موعد فني، لأن الجمهور لا يشتري النوايا، بل يشتري تذكرة ويأتي في الموعد ويجلس وينتظر.
الجمهور في النهاية ليس مجرد رقم في شباك التذاكر. هو شريك في الحفل. يدفع، يسافر، ينتظر، يتحمل الحر والزحمة، وربما يأتي مع عائلته، ثم يجد نفسه أمام ركح فارغ وقصة عن سيارة لم تصل. وهذا هو الجانب الساخر في الحكاية: نحن في زمن أصبحت فيه التكنولوجيا قادرة على نقل صورة من أقصى العالم في ثوانٍ، لكننا ما زلنا أحيانًا عاجزين عن نقل فنان من نقطة إلى نقطة في الموعد المحدد. ومع ذلك، يبقى الاعتذار أفضل من المكابرة، وإعادة الحفل أفضل من دفن الحكاية تحت الصمت. المهم أن يكون يوم 26 أوت موعدًا حقيقيًا، لا مجرد موعد آخر يحتاج إلى موعد جديد. لأن الجمهور قد يسامح الفنان الذي تأخر، وقد يسامح السيارة التي تعطلت، وقد يسامح حتى سوء الحظ… لكنه لا يحب أن يشعر بأن وقته وتذكرته وكرامته كانت آخر ما تم التفكير فيه. في النهاية، الحفل الحقيقي ليس فقط أن يصعد الفنان إلى الركح. الحفل الحقيقي أن يشعر المواطن الذي دفع ثمن التذكرة أن وقته له قيمة، وأن وعدًا قُطع له يستحق أن يُحترم.
أين السيارة؟
أما السيارة؟ فنتمنى لها السلامة طبعًا. لكن في المرة القادمة، خليها تمشي قبل الفنان بنصف ساعة… احتياطًا للفن والثقافة والجمهور.

