وكعادته، يراهن المهرجان على استقطاب أسماء فنية وازنة من مختلف القارات، في إطار رؤية تقوم على الانفتاح الثقافي والتنوع الفني، حيث تتجاور على ركحاته الموسيقى العربية والطرب الأصيل والأغنية العصرية والموسيقى الإفريقية والعالمية، في تظاهرة باتت تمثل موعداً سنوياً بارزاً على الأجندة الثقافية الدولية. وفي هذا السياق، يكتسي حضور الفنان التونسي الكبير لطفي بوشناق Lotfi Bouchnak أهمية خاصة، باعتباره أحد أبرز الأصوات العربية التي حافظت على مكانتها الفنية لعقود، وجسدت مدرسة فنية تجمع بين الأصالة والالتزام والقدرة على التجدد. ومن المنتظر أن يعتلي بوشناق خشبة المسرح الوطني محمد الخامس Théâtre National Mohammed V يوم 25 جوان الجاري على الساعة التاسعة ليلاً، في حفل ينتظر أن يستقطب جمهوراً واسعاً من محبي الطرب العربي الأصيل، خاصة وأن الفنان التونسي يحظى بمكانة استثنائية لدى الجمهور المغربي الذي ظل على امتداد سنوات وفياً لصوته وأعماله. ولا يُنظر إلى لطفي بوشناق بوصفه مطرباً فحسب، بل باعتباره ظاهرة فنية وثقافية ساهمت في تشكيل جزء من الذاكرة الموسيقية العربية المعاصرة. فمنذ انطلاق مسيرته الفنية، استطاع أن يبني مشروعاً غنائياً متكاملاً يقوم على احترام الكلمة واللحن والهوية الثقافية، مع انفتاح مدروس على قضايا الإنسان والمجتمع. وتميّز الفنان التونسي بقدرته على التنقل بين مختلف الأنماط الموسيقية، من الموشحات والأغاني التراثية إلى الأغنية الوطنية والوجدانية، فضلاً عن الأعمال التي تناولت قضايا الحرية والسلام والهوية العربية. ومن المنتظر أن يقدم خلال مشاركته في موازين باقة من أشهر أغانيه التي صنعت نجاحه على امتداد مسيرته، إلى جانب أعمال أحدث تعكس استمرار عطائه الفني وحضوره المتجدد على الساحة العربية. وعلى امتداد أكثر من عقدين، نجح مهرجان موازين في ترسيخ مكانته كجسر ثقافي بين الشعوب، مستفيداً من موقع المغرب كفضاء للحوار والتبادل الحضاري. ويحرص القائمون على المهرجان في كل دورة على تحقيق توازن بين الحضور المغربي والعربي والدولي، بما يمنح الجمهور فرصة استثنائية لاكتشاف مدارس موسيقية وثقافات متعددة.
ولا يقتصر دور المهرجان على الجانب الترفيهي فحسب، بل أصبح رافعة ثقافية وسياحية واقتصادية تساهم في تعزيز إشعاع مدينة الرباط والمملكة المغربية على المستوى الدولي، فضلاً عن دوره في دعم الصناعات الثقافية والإبداعية. ولطالما سجل الفنانون التونسيون حضوراً لافتاً في مختلف دورات موازين، حيث تمكنت الأغنية التونسية من فرض مكانتها بفضل أسماء كبيرة تركت بصمتها في المهرجان والجمهور المغربي على حد سواء. ويأتي حضور لطفي بوشناق هذا العام ليؤكد استمرار هذه العلاقة الفنية المتميزة بين تونس والمغرب، في ظل ما يجمع البلدين من روابط ثقافية وتاريخية عميقة، وما تمثله الموسيقى من أداة لتعزيز التقارب بين الشعوب.
أين لطيفة؟
وبالتوازي مع الإعلان عن مشاركة لطفي بوشناق، يطرح عدد من المتابعين تساؤلات حول غياب الفنانة التونسية Latifa عن برمجة مهرجان موازين، رغم مكانتها الكبيرة في الساحة الغنائية العربية ورصيدها الفني الحافل. غير أن إدارة المهرجان لم تصدر أي توضيح رسمي بشأن هذا الموضوع، كما لم يصدر عن الفنانة أو فريقها ما يشير إلى وجود دعوة لم تتم تلبيتها أو إلى أسباب محددة لغيابها. وقد يكون الأمر مرتبطاً بخيارات البرمجة الفنية الخاصة بالدورة الحالية أو بتزامات مهنية وفنية أخرى، وهي مسائل تبقى ضمن المعطيات التنظيمية المعتادة في المهرجانات الكبرى. ومهما كانت الأسباب، فإن اسم لطيفة يظل من الأسماء العربية البارزة التي ارتبطت بوجدان الجمهور المغربي والعربي، ما يجعل حضورها في الدورات المقبلة أمراً وارداً ومحل ترحيب من قبل جمهور واسع من محبيها. ويبقى المؤكد أن دورة 2026 من مهرجان موازين ستكون مناسبة جديدة للاحتفاء بالتنوع الموسيقي والثقافي، فيما يمثل عودة لطفي بوشناق إلى الرباط حدثاً فنياً بارزاً يعيد إلى الواجهة واحداً من أهم الأصوات التي حافظت على وهجها ومكانتها في المشهد الغنائي العربي.