وشهد المنتدى تنظيم دائرة مستديرة خصصت لمناقشة آفاق التعاون الاقتصادي والاستثماري بين أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط، بمشاركة نخبة من الخبراء وصناع القرار، من بينهم مصطفى بهمن، حسن حلوي، ينس ميشال، وسليمان الرشودي. وسلط المشاركون الضوء على التحولات العميقة التي تشهدها اقتصادات المنطقة، خاصة في دول الخليج التي تواصل تنفيذ استراتيجيات طموحة لتنويع مصادر الدخل وتقليص الاعتماد على العائدات النفطية، عبر الاستثمار في التكنولوجيا والصناعة والاقتصاد الرقمي والطاقة المتجددة. وأكد المتدخلون أن العلاقات الاقتصادية بين أوروبا والخليج دخلت مرحلة جديدة تتجاوز المبادلات التجارية التقليدية، لتشمل شراكات استراتيجية في مجالات الابتكار والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية والصناعات المتقدمة. كما شددوا على أهمية توفير بيئة أعمال أكثر جاذبية للمستثمرين وتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص من أجل إطلاق مشاريع قادرة على تحقيق التنمية المستدامة وخلق فرص العمل. وأشار الخبراء إلى أن منطقة الخليج تمثل اليوم أحد أهم مراكز النمو الاقتصادي والاستثماري على المستوى العالمي، بفضل برامج الإصلاح الاقتصادي والمشاريع العملاقة التي يتم تنفيذها في عدة دول، وهو ما يفتح آفاقاً واسعة أمام الشركات الأوروبية الراغبة في التوسع داخل أسواق المنطقة. وفي سياق متصل، حظيت قضية الأمن الغذائي باهتمام خاص خلال المنتدى من خلال جلسة حملت عنوان الأمن الغذائي ومرونة سلاسل التوريد الزراعية: تعزيز سلاسل القيمة بين فرنسا ودول الخليج. وجمعت الجلسة عدداً من الخبراء والمسؤولين الذين ناقشوا التحديات المتزايدة التي تواجه منظومات الغذاء العالمية، خاصة بعد الأزمات المتلاحقة التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة، من اضطرابات سلاسل الإمداد والتغيرات المناخية إلى التقلبات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل. وأكد المشاركون أن ضمان الأمن الغذائي لم يعد يقتصر على زيادة الإنتاج الزراعي فقط، بل أصبح مرتبطاً بقدرة الدول على بناء سلاسل توريد مرنة وقادرة على الصمود أمام الأزمات. وفي هذا الإطار، تم التأكيد على أهمية تطوير شراكات استراتيجية بين فرنسا ودول الخليج للاستفادة من الخبرات الأوروبية في مجالات التكنولوجيا الزراعية والزراعة الدقيقة والرقمنة الزراعية. كما شدد المتدخلون على ضرورة الاستثمار في الحلول المبتكرة مثل الزراعة الذكية، وتقنيات إدارة المياه، والذكاء الاصطناعي في مراقبة المحاصيل، إلى جانب تطوير البنية التحتية اللوجستية وسلاسل التبريد والتخزين، بما يضمن استقرار الإمدادات الغذائية وتقليص نسب الهدر وتحسين كفاءة التوزيع.
ويرى الخبراء أن دول الخليج، التي تسعى إلى تعزيز أمنها الغذائي ضمن رؤاها الوطنية طويلة المدى، تمثل سوقاً واعدة للتقنيات الزراعية الحديثة، في حين تمتلك فرنسا خبرات متقدمة في مجال الصناعات الغذائية والزراعية يمكن أن تشكل أساساً لشراكات مربحة للطرفين. ومن بين أبرز محاور المنتدى أيضاً، الجلسة المخصصة لموضوع "المدن الذكية والمرونة الحضرية: تصميم مدن المستقبل معاً"، والتي شهدت مشاركة خبراء ومسؤولين من فرنسا ودول الخليج، من بينهم رامز الفيّز، ومحمد الشريف، وأوريلين كليديير، والدكتور محمد علي العجرالله. وتناولت النقاشات التحولات الكبرى التي يشهدها التخطيط الحضري في العالم، في ظل التوسع العمراني المتسارع والضغوط البيئية والديموغرافية التي تواجه المدن الحديثة. وأكد المشاركون أن التحول الرقمي أصبح اليوم ركيزة أساسية في بناء مدن أكثر كفاءة واستدامة، من خلال توظيف التقنيات الذكية في إدارة النقل والطاقة والمياه والنفايات والخدمات العمومية. كما تم التأكيد على أن المدن الذكية لا تقتصر على استخدام التكنولوجيا فقط، بل تشمل أيضاً تحسين جودة الحياة وتعزيز الاستدامة البيئية ورفع مستوى رفاه السكان. واستعرض المتدخلون عدداً من التجارب الرائدة في المنطقة، لا سيما في Saudi Arabia، حيث يجري تنفيذ مشاريع حضرية ضخمة تعكس رؤية طموحة لبناء مدن مستقبلية تعتمد على الابتكار والاستدامة والاقتصاد المعرفي. كما أبرزوا أهمية التعاون بين الخبرات الفرنسية والخليجية لتطوير حلول حضرية مبتكرة قادرة على مواجهة تحديات التغير المناخي والنمو السكاني. وعكس منتدى Vision Golfe في دورته الحالية إرادة مشتركة لدى الشركاء الأوروبيين والخليجيين لتعزيز التعاون في مجالات استراتيجية تمس مستقبل التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فبينما تتطلع دول الخليج إلى تسريع وتيرة التحول الاقتصادي ضمن رؤاها الوطنية الطموحة، تبحث أوروبا عن شركاء موثوقين لدعم النمو والاستثمار والابتكار في عالم يشهد تغيرات متسارعة. وأكدت النقاشات التي شهدها المنتدى أن المستقبل سيعتمد بشكل متزايد على بناء شراكات عابرة للحدود تقوم على تبادل الخبرات والتكنولوجيا والاستثمارات، سواء في مجالات الأمن الغذائي أو المدن الذكية أو الاقتصاد الرقمي، بما يسهم في تحقيق تنمية أكثر استدامة وقدرة على مواجهة التحديات العالمية المقبلة.