وجاء ذلك بمناسبة اختتام المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي مشاورات المادة الرابعة لعام 2026 مع أوزبكستان، حيث صادق على تقييم خبراء الصندوق دون الحاجة إلى عقد اجتماع رسمي، مشيداً بالتقدم الذي أحرزته البلاد في مجالات النمو الاقتصادي، وضبط المالية العمومية، وخفض التضخم، وتعزيز الاستقرار المالي. وأظهرت بيانات الصندوق أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لأوزبكستان سجل نمواً بنسبة 7.7 بالمائة خلال عام 2025، مدفوعاً بقوة الطلب الداخلي والاستثمارات، قبل أن يتسارع النمو إلى 8.7 بالمائة على أساس سنوي خلال الربع الأول من عام 2026. وساهم هذا الأداء الاقتصادي القوي في مواصلة انخفاض معدلات البطالة والفقر، في حين واصل التضخم تراجعه التدريجي بعد الارتفاع الذي أعقب إصلاح أسعار الطاقة في مايو 2024، لينخفض إلى 7 بالمائة في أفريل 2026 مقارنة بالمستويات السابقة. كما شهد العجز المالي الموحد انخفاضاً إلى 2.1 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2025، مستفيداً من النشاط الاقتصادي المزدهر وارتفاع أسعار الذهب العالمية، وهو ما انعكس أيضاً إيجاباً على الحساب الجاري الذي تقلص عجزه إلى 3.9 بالمائة من الناتج المحلي. ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يحافظ الاقتصاد الأوزبكي على نسق نمو مرتفع خلال السنوات المقبلة، مع تسجيل نمو بنحو 6.8 بالمائة في عام 2026 و6 بالمائة في عام 2027.
ويرى الصندوق أن الاستهلاك الخاص والاستثمار، إلى جانب مواصلة الإصلاحات الهيكلية، ستظل المحركات الرئيسية للنشاط الاقتصادي. كما يُنتظر أن تساعد السياسة النقدية المتشددة نسبياً في خفض التضخم تدريجياً إلى المستوى المستهدف من قبل البنك المركزي الأوزبكي والبالغ 5 بالمائة بحلول نهاية عام 2027. وفي المقابل، حذر التقرير من استمرار حالة عدم اليقين العالمية، خاصة في ظل تداعيات الحرب في الشرق الأوسط وتصاعد التوترات الجيوسياسية، التي قد تؤثر على الطلب الخارجي وأسعار الصادرات وظروف التمويل الدولية. وشدد صندوق النقد الدولي على ضرورة أن تركز السياسة المالية خلال المرحلة المقبلة على احتواء مخاطر ارتفاع الطلب المفرط في الاقتصاد وإعادة بناء الهوامش الوقائية.
ودعا السلطات الأوزبكية إلى تجنب زيادة الإنفاق العمومي بصورة قد تؤدي إلى تأجيج الضغوط التضخمية، خاصة في ظل توقعات بتحقيق إيرادات إضافية نتيجة الأداء الاقتصادي القوي وأسعار الذهب المرتفعة. كما أوصى بإرساء إطار مالي أكثر صلابة يقلل من تأثر الإنفاق العمومي بتقلبات عائدات الموارد الطبيعية، مع اعتماد مؤشرات إضافية لمراقبة العجز غير المرتبط بالموارد المعدنية. وأكد الصندوق أن أوزبكستان بحاجة إلى مواصلة جهود تعبئة الموارد المالية عبر توسيع القاعدة الضريبية وتقليص الإعفاءات والحوافز الضريبية غير الضرورية وتحسين إدارة الجباية والجمارك.
وفي الوقت نفسه، دعا إلى تطوير آليات إعداد الميزانية متوسطة المدى وتحسين إدارة الاستثمارات العمومية وتعزيز الرقابة على المخاطر المالية المرتبطة بالمؤسسات العمومية ومشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص. على صعيد السياسة النقدية، اعتبر صندوق النقد الدولي أن الحفاظ على نهج نقدي متشدد ما يزال ضرورياً لضمان استقرار الأسعار وترسيخ توقعات التضخم. كما أكد أهمية استمرار مرونة سعر الصرف وتعميق سوق العملات الأجنبية وتعزيز أدوات إدارة السيولة، إلى جانب التخلص التدريجي من برامج الإقراض الموجه والمدعوم التي قد تعيق كفاءة السياسة النقدية. وفي القطاع المصرفي، أوصى الصندوق بالإسراع في إعادة هيكلة البنوك المملوكة للدولة وخصخصة بعضها، مع تعزيز استقلالية البنك المركزي وتحسين جودة الأصول المصرفية لضمان توزيع أفضل للموارد وتقليص المخاطر المالية. ومن أبرز الرسائل التي وجهها الصندوق إلى الحكومة الأوزبكية ضرورة تقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي وتهيئة بيئة أكثر تنافسية للقطاع الخاص. وأكد أن إصلاح المؤسسات العمومية وخصخصتها عندما يكون ذلك ممكناً، إضافة إلى تحسين الحوكمة والشفافية ومكافحة الفساد، سيسهم في جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية وتعزيز الإنتاجية. كما دعا إلى تسريع خطوات الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، وتعزيز سياسات المنافسة وتنويع الصادرات لدعم النمو الاقتصادي على المدى الطويل. وفي الجانب الاجتماعي، شدد التقرير على أهمية رفع نسبة مشاركة النساء والشباب في سوق العمل ومعالجة فجوات المهارات والحد من الاقتصاد غير المنظم، بما يساعد على تلبية الطلب المتزايد على اليد العاملة. كما دعا إلى دمج الاعتبارات المناخية بشكل أكبر في تخطيط الاستثمارات العمومية وتحسين كفاءة استخدام الطاقة وتعزيز قدرة الاقتصاد على التكيف مع التغيرات المناخية. وتكشف الأرقام الواردة في تقرير صندوق النقد الدولي أن أوزبكستان تمضي بثبات نحو ترسيخ مكانتها كواحدة من أسرع الاقتصادات نمواً في آسيا الوسطى. فالناتج المحلي الإجمالي للفرد مرشح للارتفاع من 2922 دولاراً سنة 2023 إلى نحو 4957 دولاراً بحلول عام 2027، فيما يتراجع الدين العمومي إلى حوالي 27 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي.
وبينما تواجه البلاد تحديات مرتبطة بالظرف الدولي المضطرب، يرى صندوق النقد الدولي أن مواصلة الإصلاحات الهيكلية وتعزيز دور القطاع الخاص والحفاظ على الانضباط المالي والنقدي ستشكل مفاتيح نجاح المرحلة المقبلة، وتمكن أوزبكستان من تحقيق نمو أكثر استدامة وشمولاً خلال السنوات القادمة.