ويعود أول مظاهر هذا التوتر إلى حادثة دبلوماسية تمثلت في رفض السلطات التونسية عقد لقائين لوزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو مع نظيره التونسي خالد السهيلي خلال الفترة الممتدة بين أكتوبر وديسمبر الماضيين. وقد أثار هذا القرار استياءً في روما، رغم تبريره رسميًا بتزامنه مع الأزمة البيئية في قابس. وحتى الآن، لم تُخفِ إيطاليا انزعاجها من هذا الموقف، رغم استمرار قنوات الحوار بين الطرفين. في المقابل، شهدت العلاقات انفراجًا نسبيًا مؤخرًا، تجلّى في رسو الفرقاطة الإيطالية مارتيني بميناء حلق الوادي، حيث أجرى رئيس أركان البحرية الإيطالية، الأميرال جوزيبي بيروتي بيرغوتو، سلسلة من اللقاءات لتعزيز التعاون العسكري بين البلدين، ما أعطى انطباعًا بعودة الأمور إلى مسارها الطبيعي، ولو ظاهريًا. غير أن هذا الهدوء لا يخفي وجود ملفات أخرى حساسة تواصل روما إثارتها، خاصة عبر وسائل إعلامها، وتتعلق أساسًا بالوضع الاقتصادي في تونس. ومع اقتراب الموسم السياحي، تتزايد المخاوف من تأثير هذه الضغوط على أداء القطاع السياحي، إضافة إلى التزامات تونس المالية تجاه أوروبا. ففي شهر جويلية المقبل، يتعيّن على تونس سداد نحو 700 مليون يورو من القروض الأوروبية التي تم الحصول عليها سنة 2019 في شكل سندات. وقد يشكّل هذا الاستحقاق ضغطًا كبيرًا على الميزانية، في ظل مخاوف من انعكاساته على القدرة الشرائية للمواطن وعلى قيمة الدينار، مما قد يزيد من هشاشة الوضع الاقتصادي. ورغم بعض المؤشرات الإيجابية الصادرة عن الاتحاد الأوروبي بشأن قدرة تونس على الوفاء بالتزاماتها دون اللجوء إلى قروض جديدة، إلا أن المخاوف تبقى قائمة، خاصة في ظل التوترات الدولية وارتفاع أسعار النفط، التي تجاوزت 100 دولار للبرميل، مقارنة بـ63 دولارًا عند توقيع اتفاق 2019، ما يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي.
في سياق متصل، تشير مصادر دبلوماسية إلى أن أي صدمة اقتصادية محتملة قد تجعل تونس من بين أكثر الدول تأثرًا في شمال إفريقيا. وفي مواجهة ذلك، اختارت الحكومة التونسية تنويع شراكاتها الدولية، متجهة نحو الشرق، كما يتجلى في إسناد مشاريع كبرى لشركات صينية، على غرار مشروع جسر بنزرت الذي يتجاوز طوله كيلومترين، بتمويل أوروبي وتنفيذ صيني. كما تم إسناد مشروع تطوير خط السكك الحديدية بين تونس وحلق الوادي والمرسى إلى شركة صينية بتمويل أوروبي، وهو ما يعكس تداخلًا معقدًا بين المصالح الأوروبية والصينية في تونس، ويبرز سياسة التوازن التي تعتمدها الدولة التونسية في علاقاتها الدولية. بالتوازي مع ذلك، تتعرض هذه السياسات لانتقادات داخلية، في ظل إجراءات وُصفت بالتضييق على بعض الأصوات المعارضة، من بينها تعليق نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، إحدى أبرز المنظمات الحقوقية في البلاد. وعلى الصعيد السياسي، تتداول بعض الأوساط الإيطالية اسم كمال الغريبي كأحد الخيارات المحتملة لمرحلة ما بعد الانتخابات المقبلة. ويُعد الغريبي رجل أعمال بارزًا، يشغل منصب رئيس شركة GKSD Holding ونائب رئيس مجموعة San Donato الإيطالية، ويُنظر إليه كشخصية قادرة على جذب الاستثمارات وتعزيز الثقة الاقتصادية بين الضفتين. ورغم أصوله التونسية، وتحديدًا من مدينة صفاقس، إلا أن حضوره داخل الساحة المحلية يبقى محدودًا. غير أن بعض التحليلات الإيطالية ترى فيه نموذجًا مشابهًا للرئيس الحالي قيس سعيّد، الذي لم يكن معروفًا على نطاق واسع قبل وصوله إلى الحكم.