وتشير الرواية التاريخية المتفق عليها لدى أغلب المؤرخين إلى أن مدينة قرطاج، الواقعة في تونس الحالية، تأسست في القرن التاسع قبل الميلاد على يد الفينيقيين القادمين من مدينة صور (في لبنان حاليًا)، بقيادة الملكة عليسة أو ديدون. وقد تحولت قرطاج لاحقًا إلى واحدة من أعظم القوى البحرية والتجارية في البحر الأبيض المتوسط. أما الدراسات التي يتم الاستناد إليها في بعض المقالات، فهي في الغالب دراسات جينية حديثة تهدف إلى تتبع أصول وتداخلات الشعوب عبر التاريخ، خاصة المجتمعات اليهودية التي عاشت في مناطق مختلفة من العالم، من بينها شمال إفريقيا. هذه الدراسات لا تتحدث بشكل مباشر عن تأسيس قرطاج، بل تشير إلى وجود تداخلات سكانية وهجرات قديمة، بما في ذلك انتقال مجموعات بشرية إلى المنطقة بعد أحداث تاريخية كبرى، مثل تدمير القدس في العهد الروماني.
ويرى مختصون أن الخلط بين الهجرات السكانية والتأسيس الحضاري هو ما أدى إلى انتشار مثل هذه التأويلات. فوجود جماعات يهودية في شمال إفريقيا عبر التاريخ أمر موثق، خاصة بعد فترات التهجير، إلا أن ذلك لا يعني أنهم أسسوا حضارات قائمة قبل وصولهم بقرون. كما يؤكد باحثون في التاريخ القديم أن قرطاج كانت نتاجًا للحضارة الفينيقية، وأن الأدلة الأثرية واللغوية والثقافية تدعم هذه الرواية بشكل واضح، دون وجود معطيات علمية تثبت تغيير هذا المعطى الأساسي. في المقابل، تبرز هذه النقاشات أهمية التمييز بين المعطيات العلمية الدقيقة والتأويلات الإعلامية، خاصة في المواضيع الحساسة المرتبطة بالتاريخ والهوية. فالدراسات الجينية، رغم أهميتها، تظل مجالًا معقدًا يحتاج إلى قراءة علمية متأنية بعيدًا عن التوظيف أو التبسيط المخل.