في السادس عشر من جويلية، لم ينطلق مهرجان أم الزين الدولي من منصة رسمية، بل انطلق من نبض الشارع. كان الكرنفال أشبه بنهر من الألوان، تتقدمه الخيول، وتحرسه الدمى العملاقة، وترافقه ضحكات الأطفال، فيما جاءت الدبكة الفلسطينية لتذكر الجميع بأن الشعوب التي تعرف كيف تفرح، تعرف أيضًا كيف تصمد وتقاوم. ولوهلة، بدا المشهد وكأن المدينة استعادت روحها الأولى. البيوت ابتسمت من شرفاتها، والنوافذ تحولت إلى مقاعد في مسرح مفتوح، أما الشوارع فلم تعد مجرد طرق للعبور، بل غدت صفحات يكتب عليها الأهالي قصيدة جماعية عنوانها الحياة. أجمل ما في مهرجان أم الزين أنه لم يجعل الشباب مجرد جمهور يصفق، بل وضعهم في قلب الحدث، صناعًا للمشهد وأبطاله الحقيقيين. هم من نظموا، وأبدعوا، وشاركوا، وحملوا المهرجان على أكتافهم، في رسالة واضحة لكل من يردد أن الجيل الجديد لا يعرف سوى شاشات الهواتف.
كم تبدو هذه الأحكام المسبقة بعيدة عن الواقع!
فالهواتف نفسها كانت توثق شبابًا يصنعون الجمال لا التفاهة، وتنقل إلى العالم صورة مدينة تؤمن بأن الثقافة ليست ترفًا، بل ضرورة، وأن الكرنفال ليس مجرد استعراض، بل إعلان جماعي بأن المجتمع الذي يحتفي بالحياة يصبح أكثر قدرة على مواجهة التحديات.
وقد راهنت مديرة المهرجان، ليلى بن ذياب، على هذا التوجه منذ البداية، عندما وضعت الشباب في صدارة هذه الدورة، انطلاقًا من إيمانها بأن المستقبل الثقافي لا يُستورد، بل يولد في شوارع المدن، وبين مواهب أبنائها، ومن خلال الثقة التي تُمنح لهم ليبدعوا ويقودوا التغيير. أما السهرة الفنية الافتتاحية، فستقام يوم 25 جويلية، ويحييها الفنان أبو دغنوج، لتتواصل بعدها فعاليات المهرجان في احتفاء متجدد بالفن والإبداع، مؤكدة أن مهرجان أم الزين ليس مجرد موعد صيفي، بل مشروع ثقافي يجمع بين التراث والحداثة، وبين الذاكرة والحلم.
في النهاية، لم يكن الكرنفال مجرد مسيرة احتفالية، بل كان إجابة بليغة عن سؤال قديم: كيف تنتصر مدينة على الزمن؟ لا تبني برجًا أعلى من غيرها، ولا تشيد جدارًا أكبر، بل تفتح قلبها لشبابها، وتتركهم يرسمون مستقبلها بالألوان. ذلك ما فعلته مدينة جمال. ولهذا، فهي لم تفتتح مهرجانًا فحسب، بل قدمت درسًا حيًا في أن المدن التي تؤمن بشبابها... لا تشيخ أبدًا.
