عاجل
ثقافة

مهرجان أم الزين، نصف قرن من الجمال والعناد

مهرجان لا يموت، حكاية أم الزين
مهرجان لا يموت، حكاية أم الزين

مهرجان لا يموت، حكاية أم الزين

يحتفل مهرجان أم الزين الدولي بمرور أكثر من نصف قرن على تأسيسه، محافظًا على مكانته كأحد المواعيد الثقافية البارزة في تونس. بقيادة ليلى بن ذياب، يواصل المهرجان الجمع بين التراث والتجديد عبر برنامج فني متنوع يجمع المسرح والموسيقى والأصوات التونسية والجيل الجديد، ليؤكد أن الثقافة قادرة على صناعة ذاكرة المدن والحفاظ على روحها.
كتب : شكري بن حسين / تونس - المساء
⏱ 3 دقائق للقراءة 📊 إحصائيات
في هذا العالم السريع، حيث تُولد المهرجانات صباحًا وتموت مساءً، مثل قصص الحب على مواقع التواصل، يطلّ مهرجان أم الزين الدولي بكل هدوء وجمال، ليقول لنا: "أنا هنا منذ نصف قرن... وما زلت أتنفّس."
🔔
اشترك في التنبيهات
آخر الأخبار فور نشرها مباشرة على هاتفك
📱

تنبيهات فورية

خمسون سنة وأكثر، والمهرجان يواصل رحلته كشيخ حكيم لا يخاف الزمن، بل يجلس معه إلى طاولة واحدة ويبتسم. نصف قرن من الأغاني والمسرح والرقص واللقاءات، ونصف قرن من مقاومة النسيان في زمن أصبح فيه الإنسان ينسى حتى كلمة المرور الخاصة به. في زمن أصبحت فيه بعض التظاهرات الثقافية مثل النيازك، تلمع للحظة ثم تختفي، يثبت مهرجان أم الزين أن الاستمرارية ليست صدفة، بل هي ثمرة عشق حقيقي للثقافة، وإيمان بأن الفن ليس زينة موسمية، بل ذاكرة الشعوب وروح المدن.

والأجمل في الحكاية، وربما الأكثر طرافة، أن قيادة هذا الصرح الثقافي بيد امرأة. إنها ليلى بن ذياب، مديرة مهرجان أم الزين الدولي، التي تمسك بدفّة سفينة ثقافية عمرها نصف قرن، في بحر مليء بالمواعيد والميزانيات والنجوم والجمهور والانتقادات. امرأة تقود مهرجانًا اسمه "أم الزين"، في مدينة اسمها "جمال"، وكأن القدر نفسه كتب عنوان هذه الحكاية. إنها مفارقة جميلة تقول إن الثقافة لا تُدار بالأرقام والجداول وحدها، بل تحتاج إلى الحس الفني، والصبر، والقدرة على تحويل التحديات إلى لحظات فرح. وكأن مدينة جمال أرادت أن ترسل رسالة واضحة: الجمال لا يُدار بالصراخ، بل بالذكاء والهدوء، ولمسة من الحزم تعرف كيف تحوّل الفوضى إلى احتفال. أما البرنامج، فهو ليس مجرد قائمة سهرات وحفلات، بل لوحة فنية تجمع بين الأصوات والتجارب والأجيال. تفتتح الدورة بالصوت المميز لآية دغنوج، ثم تتواصل الرحلة مع عروض متنوعة تحمل أسماء وتجارب مختلفة. ويحضر المسرح مع ياسين الصالحي، وتحضر الروح الموسيقية مع عرض "الروح"، فيما يعود سحر "الزيارة" لسامي اللجمي ليأخذ الجمهور في رحلة بين الموسيقى والتراث والتجربة الروحية والبصرية.

ويفتح المهرجان أبوابه أيضًا للأجيال الجديدة مع أسماء لها حضورها لدى الشباب، مثل نوردو، وجنجون، ويونغرز، إلى جانب النكهة التونسية الأصيلة مع نجلاء التونسية في عرض "الزردة"، واللقاء الفني الذي يجمع فوزي بن قمرة وسمير لوصيف في عرض "بنت الحي أم السفساري". هنا لا يكون الركح مجرد مساحة للغناء، بل يصبح فضاءً للحوار بين الماضي والحاضر. فالأغنية الشعبية تصافح الإيقاع الحديث، والتراث يلتقي بالتجديد، والشباب يكتشف أن المستقبل لا يبدأ من القطيعة مع الذاكرة، بل من فهمها وإعادة تقديمها.

ابن سينا تستعد للدورة الثانية من مهرجان الشباب
إقرأ كذلك
ابن سينا تستعد للدورة الثانية من مهرجان الشباب
نشر يوم 2026-08-17

فلسفيًا، يطرح مهرجان أم الزين سؤالًا بسيطًا، لكنه عميق: كيف تبقى مدينة حيّة؟

ليست حياة المدن بعدد المباني ولا بعدد المحلات التجارية فحسب، بل بقدرتها على إنتاج المعنى. فالمدينة التي تغني، وتروي، وتحتفل، وتحافظ على ذاكرتها، هي مدينة ترفض أن تتحول إلى مجرد إسمنت وشوارع.

ومهرجان أم الزين هو أحد تلك المعاني الجميلة التي أنتجتها مدينة جمال وقدمتها للعالم. وساخرًا، يمكن اختصار الحكاية هكذا: بينما تتنافس بعض المدن حول من يملك أعلى بناية، تردّ مدينة جمال بابتسامة هادئة: "لدينا مهرجان دولي عمره نصف قرن... وهذا يكفينا." وفي النهاية، عندما تنطفئ الأضواء ويغادر الجمهور، يبقى شيء لا تلتقطه الكاميرات: إحساس خفيف بأن الثقافة ما زالت قادرة على الانتصار، وأن مدينة اختارت اسمها "جمال" لم تفعل ذلك عبثًا، بل قررت منذ زمن بعيد أن تجعل من الجمال مشروع حياة. مهرجان أم الزين ليس مجرد موعد صيفي عابر... إنه ذاكرة تمشي على ركح، وحكاية نصف قرن تقول للعالم إن الجمال، حين يتحول إلى ثقافة، يصبح أطول عمرًا من الزمن نفسه.

صادق حلواس يتحدث عن مشاريعه القادمة
إقرأ كذلك
صادق حلواس يتحدث عن مشاريعه القادمة
نشر يوم 2026-08-14

أضف تعليق






اقرأ أيضا

العكازات والبصل وزيت المحركات ممنوعة الدخول إلى غزة

غزة، حين تصبح العكازات والزيت والبصل مواد محظورة

من العكازات والكراسي المتحركة إلى زيت المحركات والبصل.. قيود على دخول مواد أساسي...

إقرأ المزيد
محاولة انقلاب في النيجر، القوات الحكومية تستعيد السيطرة

النيجر: اشتباكات تستهدف القصر الرئاسي والمطار في محاولة انقلاب

شهدت العاصمة النيجرية نيامي فجر السبت 29 أوت 2026، حالة من التوتر الأمني بعد اند...

إقرأ المزيد
حفل الشاب خالد في الرباط يشعل غضب الجزائريين

الشاب خالد في مرمى الانتقادات: بلدك يحترق وانت تحتفل

وجد نجم الراي الجزائري العالمي الشاب خالد نفسه مجددًا في قلب عاصفة من الانتقادات...

إقرأ المزيد
كيف تصنع الرياضة مجتمع أكثر عدلا وتمسكا؟

الرياضة للجميع، طريق نحو مجتمع أكثر عدلا وتماسكا

لم تعد الرياضة في العصر الحديث مجرد منافسات لتحقيق الألقاب والإنجازات، بل أصبحت ...

إقرأ المزيد
مصر: محافظة قنا تنطلق في حملة تحصين الماشية

مصر: محافظة قنا تطلق حملة ضد الحمى القلاعية وحمى الوادي المتصدع

أعلنت مديرية الطب البيطري بمحافظة قنا في مصر انطلاق الحملة القومية الثانية لتحصي...

إقرأ المزيد
الخصوبة تتراجع بسرعة في شمال افريقيا

الولادات تتراجع والشيخوخة تتقدم ، المغرب العربي أمام التحدي

يشهد المغرب العربي تحوّلًا ديموغرافيًا عميقًا وسريعًا، بعدما تراجعت معدلات الخصو...

إقرأ المزيد
الماء والكهرباء والقارورة، ثلاثية الازمات في صيف تونس

الوزارة تعلن ضخ تسعة ملايين قارورة ماء حتى لا يموت التونسي من العطش

في تونس، لم يعد الماء مجرد ماء. لقد ارتقى، بفضل عبقرية الأزمات، إلى مرتبة الحلم ...

إقرأ المزيد
القمامة تتكدس والمسؤولون غائبون، متى تتحرك البلديات؟

أكوام القمامة تتكدس في تونس، من المسؤول؟

ماذا عسانا أن نقول بعد أن تعالت أصوات المتساكنين في عدد من المدن والقرى التونسية...

إقرأ المزيد
لماذا لا يصبح التبليغ عن الاحتكار والفساد واجبا وطنيا؟

هل حان وقت لإطلاق خط أخضر للتبليغ عن حالات الاحتكار والمضاربة؟

في ظل ما تشهده البلاد خلال الفترة الأخيرة من ارتفاع منسوب التوتر الاجتماعي، وتزا...

إقرأ المزيد
عيد الحوت: حين يفرح البحر وتغني حلق الوادي

عيد الحوت في حلق الوادي: تراث وموسيقى ومعرض أسماك

في حلق الوادي، لا يحتاج الفرح إلى كثير من الشرح. يكفي أن تمشي في شوارع المدينة ل...

إقرأ المزيد