خمسون سنة وأكثر، والمهرجان يواصل رحلته كشيخ حكيم لا يخاف الزمن، بل يجلس معه إلى طاولة واحدة ويبتسم. نصف قرن من الأغاني والمسرح والرقص واللقاءات، ونصف قرن من مقاومة النسيان في زمن أصبح فيه الإنسان ينسى حتى كلمة المرور الخاصة به. في زمن أصبحت فيه بعض التظاهرات الثقافية مثل النيازك، تلمع للحظة ثم تختفي، يثبت مهرجان أم الزين أن الاستمرارية ليست صدفة، بل هي ثمرة عشق حقيقي للثقافة، وإيمان بأن الفن ليس زينة موسمية، بل ذاكرة الشعوب وروح المدن.
والأجمل في الحكاية، وربما الأكثر طرافة، أن قيادة هذا الصرح الثقافي بيد امرأة. إنها ليلى بن ذياب، مديرة مهرجان أم الزين الدولي، التي تمسك بدفّة سفينة ثقافية عمرها نصف قرن، في بحر مليء بالمواعيد والميزانيات والنجوم والجمهور والانتقادات. امرأة تقود مهرجانًا اسمه "أم الزين"، في مدينة اسمها "جمال"، وكأن القدر نفسه كتب عنوان هذه الحكاية. إنها مفارقة جميلة تقول إن الثقافة لا تُدار بالأرقام والجداول وحدها، بل تحتاج إلى الحس الفني، والصبر، والقدرة على تحويل التحديات إلى لحظات فرح. وكأن مدينة جمال أرادت أن ترسل رسالة واضحة: الجمال لا يُدار بالصراخ، بل بالذكاء والهدوء، ولمسة من الحزم تعرف كيف تحوّل الفوضى إلى احتفال. أما البرنامج، فهو ليس مجرد قائمة سهرات وحفلات، بل لوحة فنية تجمع بين الأصوات والتجارب والأجيال. تفتتح الدورة بالصوت المميز لآية دغنوج، ثم تتواصل الرحلة مع عروض متنوعة تحمل أسماء وتجارب مختلفة. ويحضر المسرح مع ياسين الصالحي، وتحضر الروح الموسيقية مع عرض "الروح"، فيما يعود سحر "الزيارة" لسامي اللجمي ليأخذ الجمهور في رحلة بين الموسيقى والتراث والتجربة الروحية والبصرية.
ويفتح المهرجان أبوابه أيضًا للأجيال الجديدة مع أسماء لها حضورها لدى الشباب، مثل نوردو، وجنجون، ويونغرز، إلى جانب النكهة التونسية الأصيلة مع نجلاء التونسية في عرض "الزردة"، واللقاء الفني الذي يجمع فوزي بن قمرة وسمير لوصيف في عرض "بنت الحي أم السفساري". هنا لا يكون الركح مجرد مساحة للغناء، بل يصبح فضاءً للحوار بين الماضي والحاضر. فالأغنية الشعبية تصافح الإيقاع الحديث، والتراث يلتقي بالتجديد، والشباب يكتشف أن المستقبل لا يبدأ من القطيعة مع الذاكرة، بل من فهمها وإعادة تقديمها.
فلسفيًا، يطرح مهرجان أم الزين سؤالًا بسيطًا، لكنه عميق: كيف تبقى مدينة حيّة؟
ليست حياة المدن بعدد المباني ولا بعدد المحلات التجارية فحسب، بل بقدرتها على إنتاج المعنى. فالمدينة التي تغني، وتروي، وتحتفل، وتحافظ على ذاكرتها، هي مدينة ترفض أن تتحول إلى مجرد إسمنت وشوارع.
ومهرجان أم الزين هو أحد تلك المعاني الجميلة التي أنتجتها مدينة جمال وقدمتها للعالم. وساخرًا، يمكن اختصار الحكاية هكذا: بينما تتنافس بعض المدن حول من يملك أعلى بناية، تردّ مدينة جمال بابتسامة هادئة: "لدينا مهرجان دولي عمره نصف قرن... وهذا يكفينا." وفي النهاية، عندما تنطفئ الأضواء ويغادر الجمهور، يبقى شيء لا تلتقطه الكاميرات: إحساس خفيف بأن الثقافة ما زالت قادرة على الانتصار، وأن مدينة اختارت اسمها "جمال" لم تفعل ذلك عبثًا، بل قررت منذ زمن بعيد أن تجعل من الجمال مشروع حياة. مهرجان أم الزين ليس مجرد موعد صيفي عابر... إنه ذاكرة تمشي على ركح، وحكاية نصف قرن تقول للعالم إن الجمال، حين يتحول إلى ثقافة، يصبح أطول عمرًا من الزمن نفسه.

