وتأتي هذه المبادرة في وقت يشهد فيه قطاع التعدين اهتمامًا متزايدًا من الدولة، في ظل التوجه نحو تعظيم الاستفادة من الثروات الطبيعية وزيادة مساهمة التعدين في الاقتصاد الوطني، وهو ما دفع العاملين في هذا المجال إلى المطالبة بإيجاد آلية رسمية تنظم نشاطهم وتحد من الممارسات غير القانونية. وأكدت المذكرة أن تقنين التنقيب الأهلي لن يخدم المنقبين فقط، بل سيعود بفوائد مباشرة على الدولة، من خلال إدخال النشاط ضمن الاقتصاد الرسمي، وتعزيز الرقابة على عمليات استخراج وتداول الذهب. وشملت أبرز المقترحات إصدار تصاريح رسمية تتيح ممارسة التنقيب الأهلي وفق ضوابط ومعايير تحددها الجهات المختصة، بما يضمن الالتزام بالقوانين المنظمة للقطاع، ويحافظ في الوقت ذاته على الثروات التعدينية من الاستغلال العشوائي. كما طالب مقدمو المذكرة بإنشاء منافذ حكومية متخصصة لشراء الذهب الخام مباشرة من المنقبين بأسعار عادلة تعكس قيمته الحقيقية في السوق، وهو ما من شأنه القضاء على السوق الموازية والحد من عمليات البيع غير الرسمية، فضلًا عن زيادة إيرادات الدولة من هذا النشاط.
تنظيم المركبات المستخدمة في التنقيب
ولم تقتصر المطالب على تنظيم عمليات استخراج الذهب فقط، بل امتدت إلى تقنين أوضاع السيارات المستخدمة في مناطق التنقيب، من خلال إخضاعها للفحص الفني الدوري، ومنحها تصاريح تشغيل سنوية، مع تحديد خطوط سير واضحة داخل المناطق الصحراوية والجبلية. ويرى أصحاب المقترح أن هذه الخطوة ستسهم في تعزيز عوامل الأمن والسلامة، وتنظيم حركة المركبات داخل مناطق العمل، إلى جانب تحصيل رسوم تنظيمية يمكن أن تمثل موردًا إضافيًا لخزينة الدولة. وأشار العاملون في هذا المجال إلى أن طبيعة التنقيب الأهلي تختلف جذريًا عن مشروعات التعدين الكبرى التي تنفذها الشركات المتخصصة، موضحين أن الدهابة يعتمدون غالبًا على استخراج الذهب من عروق سطحية صغيرة ومتفرقة، وهي مناطق قد لا تمثل جدوى اقتصادية للشركات الكبرى بسبب محدودية الإنتاج، لكنها توفر فرصة عمل حقيقية للمنقبين ذوي الإمكانات البسيطة.
ويرى أصحاب المذكرة أن هذا النشاط يمثل نموذجًا للتكامل مع قطاع التعدين الرسمي، وليس منافسًا له، إذا ما تم تنظيمه وفق إطار قانوني واضح يحدد الحقوق والواجبات.
أثر اقتصادي واجتماعي واسع
ولفتت المذكرة إلى أن نشاط التنقيب الأهلي عن الذهب لم يعد يقتصر على المنقبين أنفسهم، بل أصبح يشكل منظومة اقتصادية متكاملة يستفيد منها عدد كبير من القطاعات المرتبطة، مثل النقل، وصيانة المركبات والمعدات، والتجارة، والخدمات اللوجستية، إضافة إلى الأنشطة التجارية التي تزدهر في المناطق المحيطة بمواقع التنقيب. وأكد مقدمو المقترح أن آلاف الأسر في محافظات أسوان والأقصر وقنا وسوهاج تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على هذا النشاط، ما يجعله أحد الروافد المهمة لدعم الاقتصاد المحلي وتوفير فرص العمل في مناطق تعاني محدودية البدائل الاقتصادية.
دعوة لإنشاء كيان رسمي
وفي ختام المذكرة، دعا العاملون إلى إنشاء نقابة أو جمعية رسمية تمثل الدهابة، تكون حلقة وصل بينهم وبين الجهات الحكومية، وتتولى تنظيم المهنة، والدفاع عن مصالح العاملين، ونشر ثقافة الالتزام بالقوانين والاشتراطات البيئية والفنية. ويرى مقدمو المبادرة أن وجود كيان رسمي سيعزز من قدرة الدولة على تنظيم القطاع، ويسهم في حماية الثروات التعدينية، والحد من الممارسات العشوائية، مع تعظيم العائد الاقتصادي للدولة وتحقيق التنمية في محافظات الصعيد، بما ينسجم مع رؤية الدولة لتعظيم الاستفادة من مواردها الطبيعية في إطار قانوني ومستدام.
