عاجل
سياسة

التخريب المنظم في تونس، أزمات أم مخطط لزعزعة الاستقرار؟

أين تنتهي الأزمات وتبدأ المؤامرة؟
أين تنتهي الأزمات وتبدأ المؤامرة؟

أين تنتهي الأزمات وتبدأ المؤامرة؟

منذ 2021، شهدت تونس سلسلة من الأزمات شملت نقص بعض المواد الأساسية، والمضاربة والاحتكار، وأزمة الهجرة غير النظامية في صفاقس، وانقطاعًا واسعًا للكهرباء. ويذهب بعض القراءات إلى ربط هذه الوقائع بفرضية وجود تخريب منظّم يستهدف استقرار الدولة، لكن إثبات هذه الفرضية يتطلب أدلة قضائية وتقنية ومالية مستقلة. وبين الأزمات الحقيقية والتوظيف السياسي لها، تبقى الحاجة إلى كشف الحقائق ملفًا بملف، بعيدًا عن الشائعات والتهويل، وبعيدًا كذلك عن استبعاد فرضية التخريب إذا أثبتتها التحقيقات.
كتب : مرشد السماوي / تونس - المساء
⏱ 4 دقائق للقراءة 📊 إحصائيات
التخريب المنظم في تونس.. قراءة في أزمات نقص المواد والهجرة وانقطاع الكهرباء، بين الوقائع المثبتة وفرضيات زعزعة الاستقرار.
🔔
اشترك في التنبيهات
آخر الأخبار فور نشرها مباشرة على هاتفك
📱

تنبيهات فورية

في قراءة سياسية للأزمات التي عرفتها تونس منذ سنة 2021، تتداول حلقة ضمن ما توصف بالتخريب المنظّم ومحاولات لزعزعة استقرار الدولة. هذه الوقائع عرفتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، من أزمات فقدان بعض المواد الأساسية، إلى أزمة الهجرة غير النظامية في صفاقس، وصولًا إلى انقطاع التيار الكهربائي، قبل أن يربط بينها جميعًا في إطار واحد يقوم على فرضية وجود أطراف داخلية وخارجية تعمل بصورة منسقة ضد الدولة، غير أن التمييز بين الوقائع التي يمكن إثباتها وبين التفسيرات السياسية والأمنية التي تُبنى عليها يبقى ضروريًا.

أزمات المواد الأساسية.. عندما اختفت السلع من الرفوف

ولقد شهدت تونس، خصوصًا خلال نهاية سنة 2021 وسنة 2022، اضطرابات في تزويد السوق بعدد من المواد الأساسية، من بينها السكر والقهوة والحليب والطحين، الأمر الذي أثار حالة من القلق لدى المواطنين وأدى في بعض الفترات إلى طوابير طويلة أمام نقاط البيع. وكانت السلطات قد تدخلت آنذاك عبر عمليات مراقبة ومداهمة لمخازن، وأعلنت عن حجز كميات من المواد التي اعتبرتها مخزنة بصورة غير قانونية أو موجهة للمضاربة والاحتكار. وقد شكلت المضاربة والاحتكار وتراجع التزويد، إلى جانب الصعوبات المالية التي واجهتها مؤسسات التوريد والتوزيع، عوامل حقيقية ساهمت في اضطراب السوق. وأبعد من ذلك، هذه الأزمات لم تكن مجرد ظاهرة اقتصادية أو نتيجة لاختلالات في منظومة التوزيع، بل جزءًا من عملية متعمدة لـ«تجويع السوق» والضغط على الدولة.

وهنا لا بدا من التمييز بين ثبوت وجود مضاربة واحتكار في بعض الحالات وبين إثبات وجود مخطط مركزي ومنظم هدفه زعزعة استقرار الدولة.

صفاقس والهجرة غير النظامية.. المال في قلب الأزمة

في سنة 2023، تحولت صفاقس إلى إحدى أبرز بؤر أزمة الهجرة غير النظامية في تونس، مع تزايد أعداد المهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، وتصاعد التوتر الاجتماعي والأمني. وتشير معطيات مالية تتعلق بتحويلات عبر شبكات مثل ويسترن يونيون والبريد التونسي، وهو دليل على وجود تمويل خارجي يهدف إلى تغيير التوازنات داخل البلاد. غير أن وجود تحويلات مالية إلى أشخاص أو مجموعات من المهاجرين لا يكفي، في حد ذاته، لإثبات وجود «لوجستية مالية أجنبية» منظمة هدفها زعزعة استقرار تونس. في المقابل يمكن للتحويلات المالية للمهاجرين أن تكون لها مصادر وأهداف متعددة، والحديث عن تمويل سياسي أو أمني أو مؤامرة منظمة ترجع خصوصا إلى تحقيقات قضائية أو مالية واضحة.

ليلة انطفأت فيها تونس

ومن الوقائع التي جدت أيضًا الانقطاع الشامل للتيار الكهربائي الذي شهدته تونس في سبتمبر 2023. فقد استيقظ التونسيون في ساعات الليل على انقطاع واسع للكهرباء شمل مناطق عديدة من البلاد، وأثار ذلك موجة من التساؤلات، خصوصًا أن الانقطاع جاء في ظرف سياسي واقتصادي حساس. وتعالت آنذاك فرضيات مختلفة حول أسباب الحادث، بين من اعتبره عطبًا تقنيًا وبين من ذهب إلى احتمال وجود عمل تخريبي.

الصراع التونسي في الخارج، من واشنطن إلى بروكسيل
إقرأ كذلك
الصراع التونسي في الخارج، من واشنطن إلى بروكسيل
نشر يوم 2026-09-08

غير أن تحويل انقطاع الكهرباء إلى دليل قطعي على وجود عملية تخريبية يتطلب نتائج تحقيقات تقنية وأمنية تثبت كذلك بصورة لا تقبل التأويل. وتزامن عدة أزمات لا يعني بالضرورة أنها ناتجة عن جهة واحدة أو مخطط واحد لكن لعقل سليم، من الطبيعي أن يتساءل الشعب التونسي.

من الوقائع إلى نظرية «زعزعة الاستقرار»

الرواية المتداولة من هنا وهناك، تقوم على جمع أحداث متفرقة ضمن سلسلة واحدة: نقص المواد الأساسية، المضاربة، أزمة الهجرة، التحويلات المالية، وانقطاع الكهرباء، ثم الاستنتاج بأن هذه الأحداث تمثل أجزاء من مخطط واسع لإضعاف الدولة التونسية وهي قراءة مقنعة سياسيًا بالنسبة إلى من يرى أن تونس تعرضت منذ 2021 لضغوط داخلية وخارجية متزايدة، لكنها تحتاج إلى أدلة مستقلة ومتكاملة ودامغة حتى تتحول من فرضية سياسية إلى حقيقة مثبتة. ووجود سلع مخزنة أو توقيف مضاربين، مثلما حدث في عدد من الملفات، يثبت وجود مخالفات اقتصادية ، لكنه لا يثبت تلقائيًا أن جميع تلك العمليات كانت جزءًا من مخطط سياسي. والأمر نفسه ينطبق على أزمة الهجرة والتحويلات المالية وانقطاع الكهرباء.

تونس بين الأزمات الحقيقية والتوظيف السياسي

لا شك أن تونس غالبا ما تعيش في ظل الأزمات، لكن خلال السنوات الأخيرة الأزمات اقتصادية والاجتماعية والأمنية أصبحت عميقة، وجزءًا من هذه الأزمات كانت مرتبطة بممارسات احتكارية ومضاربة وتهريب وضعف في منظومات التوزيع، فضلًا عن تداعيات الأزمة الاقتصادية والمالية. ولا يمكن تجاهل أن الأزمات نفسها يمكن أن تتحول إلى أدوات للصراع السياسي، وأن بعض الأطراف قد تستغل النقص أو الاحتقان الاجتماعي أو المعلومات المضللة لتحقيق أهداف سياسية.

الحقيقة تحتاج إلى أدلة

منذ 2021، أصبحت كل أزمة في تونس قابلة لأن تُقرأ من زاويتين: زاوية اقتصادية واجتماعية تبحث عن الأسباب المباشرة، وزاوية سياسية وأمنية تبحث عن المستفيدين من الأزمة وعن إمكانية توظيفها ضد الدولة. وبين القراءتين تبقى الحقيقة بحاجة إلى الأدلة. فإذا سعت شبكات منظمة إلى ضرب الأمن الاقتصادي أو تمويل عمليات لزعزعة الاستقرار، فإن كشفها ومحاسبة المتورطين مسؤولية مؤسسات الدولة. أما إذا كانت بعض الوقائع ناتجة عن سوء إدارة أو اختلالات اقتصادية أو أخطاء تقنية، فإن تحويلها إلى مؤامرة شاملة قد يحجب الأسباب الحقيقية ويعطل البحث عن الحلول. لذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في مثل هذه الملفات ليس فقط وجود التخريب إن ثبت، وإنما أيضًا اختلاط الوقائع بالشائعات، والاتهامات بالأدلة، والسياسة بالحقيقة. وتونس، في هذه المرحلة الحساسة، تحتاج قبل كل شيء إلى كشف الحقائق كاملة، ملفًا بملف، بعيدًا عن التهويل وبعيدًا كذلك عن التستر على أي جهة يثبت تورطها، أياً كان موقعها أو الجهة التي تقف وراءها.

بيان رسمي: الجزائر تقطع العلاقات الدبلوماسية مع الامارات
إقرأ كذلك
بيان رسمي: الجزائر تقطع العلاقات الدبلوماسية مع الامارات
نشر يوم 2026-09-11

أضف تعليق






اقرأ أيضا

هونور تكشف هاتف جديد: شاشة خلفية تفاعلية تعمل باللمس

هاتف ذكي جديد ينزل إلى الأسواق التونسية

أعلنت العلامة التكنولوجية العالمية HONOR عن إطلاق هاتفها الذكي الجديد HONOR Play...

إقرأ المزيد
الكرملين يوسع قبضته على الشركات الغربية

روسيا تضع يدها على أصول شركات غربية

في خطوة تطرح تساؤلات بشأن مستقبل الاستثمارات الأجنبية في روسيا، يتناول القرار ال...

إقرأ المزيد
نازار شهادات جنود إسرائيليين عن حرب غزة

وثائقي إسرائيلي يفتح ملف الحرب على غزة من داخل المؤسسة العسكرية

شهادات 24 عسكريًا إسرائيليًا، واتهامات بالتعتيم الإعلامي، ومواجهة مع الحكومة، و...

إقرأ المزيد
اللحوم الموردة في تونس، قصة أحمد العميري

اللحوم الموردة: من ميزان السوق إلى ميزان العدالة

قضية اللحوم الموردة في تونس تفتح ملف المال العام وصحة المستهلك، وتأتي حيثياتها ب...

إقرأ المزيد
هجرة الشباب تكشف أزمة الاتصال العمومي في تونس

تونس وصورة الدولة: الاتصال العمومي وهجرة الشباب

أزمة الاتصال العمومي في تونس تتقاطع مع هجرة الشباب والكفاءات نحو أوروبا، في وقت ...

إقرأ المزيد
صعود اليمين المتطرف في ألمانيا يهز الجدار الناري

لماذا صعد اليمين المتطرف في ألمانيا؟

صعود AfD في ألمانيا إلى 43.8% يفتح سؤالًا صعبًا: هل تستطيع الديمقراطية الألمانية...

إقرأ المزيد
كمال الغريبي يقود مشروعا صحيا ضخما في كينيا

كينيا وإيطاليا: كمال الغريبي يقود مشروعا صحيا ضخما

كينيا توقّع مع مجموعة GKSD الإيطالية مشروعًا لبناء 15 مستشفى باستثمار 419 مليون ...

إقرأ المزيد
بيان رسمي: الجزائر تقطع العلاقات الدبلوماسية مع الامارات

الجزائر تقرر قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات

أعلنت الحكومة الجزائرية، اليوم الخميس 10 سبتمبر 2026، قرارها قطع العلاقات الدبلو...

إقرأ المزيد
الصراع التونسي في الخارج، من واشنطن إلى بروكسيل

هل أصبح الخارج ساحة للصراع السياسي في تونس؟

تحقيق يتتبع بالوثائق مسار شبكات الضغط السياسي حول تونس من واشنطن وباريس إلى جنيف...

إقرأ المزيد
ثغرات التمديد، كيف تضيع حقوق الدولة في غياب الحسم القانوني

​واقع الثروات الطبيعية بين التطلعات الشعبية والالتزامات الدولية

تعتبر إدارة الثروات الطبيعية من أكثر القضايا إثارة للجدل في تونس، حيث ظلت عقود ا...

إقرأ المزيد