جولة قصيرة داخل بعض أحياء العاصمة تكشف حجم هذا التغيير. ففي المناطق التي تسكنها الطبقة المتوسطة والميسورة، خفتت تلك الأصوات الجماعية للخراف التي كانت تملأ الأحياء في الأيام السابقة للعيد، وغابت السحب الدخانية الكثيفة الناتجة عن شواء الرؤوس والأرجل، والتي كانت تمنح المدينة ملامح احتفالية خاصة. كما بدا المشهد مختلفًا بالنسبة لأولئك العمال الذين اعتادوا الوقوف عند مفترقات الطرقات لتقديم خدمات الذبح والتنظيف والحرق، إذ أصبح حضورهم هذه السنة باهتًا، ينتظرون زبائن قلائل. هذا التراجع يطرح تساؤلات عميقة حول مدى تأثر الطبقات الوسطى بالأزمة الاقتصادية، وحول إمكانية أن تكون بعض العائلات قد بدأت تتخلى تدريجيًا عن ممارسة شعيرة الأضحية بشكلها التقليدي، سواء بسبب الغلاء أو بسبب تغيّر نمط الحياة داخل المدن الكبرى. وربما اختارت بعض العائلات الميسورة الاحتفال بعيدًا عن الأنظار، داخل منازل ريفية أو فضاءات مغلقة، في محاولة للحفاظ على الطقس الديني بعيدًا عن صخب المدينة. في المقابل، ظل المشهد مختلفًا داخل الأحياء الشعبية، حيث بقي عيد الأضحى حاضرًا بقوة رغم الكلفة المرتفعة. هناك، ما تزال طقوس العيد تُمارس بكل تفاصيلها، من الذبح في الشوارع إلى حرق الرؤوس والكرعين وتنظيف الأحشاء وتقسيم اللحم. كانت الحاويات ممتلئة بجلود الخراف، والكلاب الضالة تتجول حولها في مشهد يعكس حجم الذبح الذي شهدته تلك المناطق.
وفي الأزقة الضيقة، تجمع شبان يرتدون الملابس السوداء والأحذية الخفيفة حول النيران الصغيرة، يتولون مهمة تنظيف بقايا الأضاحي كما جرت العادة. أحيانًا، كان يمكن رؤية زوجين يجلسان بهدوء تحت ظل شجرة، يشاركان معًا في استكمال طقوس العيد، في صورة تختزل تمسك الفئات الشعبية بالعادات الاجتماعية رغم قسوة الظروف الاقتصادية. أما محلات الجزارة، فقد شهدت ازدحامًا لافتًا، حيث اصطف أرباب الأسر حاملين أضحياتهم بعد الذبح من أجل تقطيعها وتوزيعها وفق التقاليد المعروفة: الكبد، الأكتاف، الأفخاذ، القلب، الرئة، الكلى، الدوارة وغيرها من الأجزاء التي تحضر بقوة على المائدة التونسية خلال أيام العيد. لكن خلف هذه الأجواء الاحتفالية، كان هناك مشهد آخر أكثر قسوة. مجارٍ مائية حمراء اللون بسبب اختلاطها بدماء الأضاحي، في صورة تختزل حجم الطقس الجماعي الذي تعيشه المدن التونسية خلال هذه المناسبة. مشهد يثير التأمل في العلاقة المعقدة بين الإنسان والعادة والدين والقدرة الاقتصادية. ومع استمرار ارتفاع الأسعار عامًا بعد عام، يبرز سؤال يفرض نفسه بقوة: ماذا سيحدث في السنوات المقبلة إذا تجاوز سعر الخروف ثلاثة آلاف دينار؟ وهل ستظل شعيرة الأضحية محافظة على حضورها الشعبي الواسع، أم أن التحولات الاقتصادية ستدفع جزءًا متزايدًا من التونسيين إلى إعادة التفكير في كيفية الاحتفال بعيد الأضحى؟