وشكل اللقاء منصة للنقاش حول الموقع الجيوستراتيجي لتونس، وإمكاناتها الاقتصادية والتنموية، مع مقاربة مقارنة لتجارب عدد من الاقتصادات الصاعدة التي حققت قفزات نوعية خلال العقود الأخيرة، في ظل عالم يشهد تحولات متسارعة بفعل المنافسة الجيوسياسية والثورة الرقمية والتطورات التكنولوجية. وفي كلمته الافتتاحية، أكد الصحفي مصطفى المشاط، مؤسس UniversNews ومنظم التظاهرة، أن هذا الموعد السنوي صُمم ليكون فضاءً للحوار والتفكير الاستراتيجي، حيث تلتقي الأفكار بالمبادرات العملية بما يساعد على توجيه السياسات والقرارات الاقتصادية. وأضاف أن الهدف يتمثل في بناء منصة مستقلة تستشرف التحولات العالمية وتطرح رؤية جديدة لمستقبل الاقتصاد التونسي، ترتكز على الابتكار، واستعادة الثقة، وتثمين الكفاءات الوطنية. ثلاث جلسات تبحث مستقبل الاقتصاد التونسي تناولت الجلسة الأولى محور الدبلوماسية الاقتصادية باعتبارها أداة لتعزيز التنمية وجذب الاستثمارات. واستعرض متدخلون من كوريا الجنوبية والهند والاتحاد الأوروبي تجارب بلدانهم في توظيف العمل الدبلوماسي لخدمة الاقتصاد، مع التركيز على آليات استقطاب الاستثمارات الأجنبية، وإحداث المناطق الحرة، وتطوير الشراكات الدولية. كما شارك في النقاش مسؤولون تونسيون من وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي والمعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية. أما الجلسة الثانية، فسلطت الضوء على اقتصاد المستقبل، من خلال مناقشة فرص تونس في مجالات مراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي، والطاقات المتجددة، والتكنولوجيا الرقمية، بمشاركة خبراء وممثلين عن القطاعين العام والخاص، أكدوا أن البلاد تمتلك رصيدًا بشريًا وكفاءات عالية يمكن أن تجعلها مركزًا إقليميًا في هذه القطاعات إذا توفرت الإصلاحات والبيئة الملائمة. وفي الجلسة الثالثة، التي حملت عنوان "حقيقة ممكنة.
.. أم طموح؟"، ركز المشاركون على الإصلاحات الهيكلية الضرورية لتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وتحسين مناخ الأعمال، وجذب الاستثمارات، ودعم التصنيع والتصدير، مع التشديد على أهمية تحديث المنظومة القانونية، وتعزيز الحوكمة، وتطوير السياسات العمومية. توصيات تدعو إلى إصلاحات جريئة وخلصت النقاشات إلى جملة من التوصيات، أبرزها ضرورة إجراء تقييم موضوعي للاقتصاد الوطني بالاعتماد على الأرقام والمؤشرات، مع البناء على نقاط القوة التي تتمتع بها تونس، وفي مقدمتها موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يربط أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط، إلى جانب الموارد البشرية المؤهلة، والإمكانات الكبيرة في مجالات الطاقات المتجددة والاقتصاد الرقمي والشركات الناشئة. وفي المقابل، شدد المشاركون على أن تحقيق هذا الطموح يظل رهين معالجة عدد من التحديات، من بينها هشاشة المناخ الاقتصادي، وضعف البنية التحتية في الجهات الداخلية، وصعوبات التمويل، والحاجة إلى ترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة، بما يسمح باستغلال الفرص الاستثمارية بشكل أكثر نجاعة. تكريم رواد النجاح الاقتصادي واختتمت التظاهرة بحفل توزيع جوائز BIG FIVE 2026، التي كرمت خمس شخصيات ومؤسسات ساهمت في دعم الاقتصاد التونسي وتميزت في مجالاتها. وشملت الجوائز شركة DRAXLMAIER في فئة الاستثمار الأجنبي، وشركة NUMERYX عن مساهمة الجالية التونسية بالخارج، وشركة AMEA في مجال الطاقات المتجددة، والدكتور معز بن علي في الذكاء الاصطناعي والبحوث الطبية، إضافة إلى شركة BlueFive Capital في مجال المالية المبتكرة. وأكد المشاركون في ختام الحوار أن تحويل تونس إلى "تنين اقتصادي" في حوض المتوسط ليس حلماً مستحيلاً، بل مشروعاً قابلاً للتحقق إذا ما ترافقت الرؤية الاستراتيجية مع إصلاحات عميقة، وإرادة سياسية، وشراكة فاعلة بين القطاعين العام والخاص.