واستهل كريم الغربي العرض بتحية جمهور الزهراء، معرباً عن سعادته بعودة المهرجان بعد غياب دام سبع سنوات، قبل أن يوجه تحية خاصة إلى المرأة التونسية بمناسبة عيدها، ثم ينطلق في سرد حكاية تحمل الكثير من ملامح تجربته وملاحظاته عن المجتمع والحياة.
وتدور أحداث «Viza» حول شاب تونسي يجد نفسه بعد التخرج أمام واقع البطالة وصعوبة العثور على فرصة عمل، رغم محاولاته دخول عالم التمثيل وطرق أبواب مختلفة بحثاً عن فرصة تتيح له تحقيق طموحه. وأمام انسداد الأفق، تظهر أمامه فكرة الهجرة باعتبارها مخرجاً من واقع لم يجد فيه ما يبحث عنه. ومن هنا تبدأ رحلة البحث عن «الفيزا»، عبر التعرف إلى فتاة بلجيكية ودعوتها إلى تونس، في محاولة لتقديم صورة عن المجتمع التونسي وعاداته وتقاليده ودينه. غير أن الزيارة تتحول إلى مناسبة لكشف عدد من التناقضات التي يعيشها المجتمع، من التلوث والفساد والرشوة إلى المخالفات القانونية والجدل حول الحلال والحرام، في معالجة تجمع بين السخرية والنقد الاجتماعي. ومع انتقال الحكاية إلى بلجيكا، يجد كريم نفسه أمام مجتمع مختلف في تفاصيل الحياة اليومية والعادات والتقاليد وحتى الموسيقى والرقص. ويكتشف نمطاً من الحياة يقوم على التنظيم والدقة واحترام القواعد، لتبدأ المقارنة بين ما تركه في تونس وما وجده في بلد الهجرة.
لكن «Viza» لا تتوقف عند حدود المقارنة بين تونس والغرب، ولا تقدم الغربة باعتبارها جنة موعودة أو الهجرة باعتبارها حلاً سحرياً لكل المشاكل، بل تذهب إلى سؤال أكثر عمقاً: ماذا يعني أن ينتمي الإنسان إلى وطنه؟ وهل تمنح الغربة الإنسان بالضرورة الحياة التي يبحث عنها؟ وفي سياق هذه الرحلة، يستحضر العرض أسماء ورموزاً تونسية بارزة، من ابن خلدون وأبي القاسم الشابي إلى حنبعل وأنس جابر، باعتبارهم نماذج للتميز والقدرة على ترك بصمة تتجاوز حدود الوطن.
وهي إشارة تؤكد أن الانتماء لا يُختزل في الظروف اليومية، وإنما يرتبط أيضاً بتاريخ البلاد ورموزها وذاكرتها الجماعية.
ومع تطور الأحداث، يصل كريم إلى لحظة اكتشاف مختلفة؛ فبعد أن كان يرى في الهجرة طريقاً للخلاص، يبدأ في إعادة النظر في علاقته بتونس، ويكتشف أن الابتعاد عن الوطن قد يكون أحياناً الطريق إلى فهم قيمته بصورة أعمق. وهنا تكمن إحدى أهم رسائل «Viza»: الغربة قد تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف العالم، لكنها قد تمنحه أيضاً فرصة لاكتشاف نفسه ووطنه من جديد. وبين الكوميديا والسخرية والنقد الاجتماعي، نجح كريم الغربي في تحويل حكاية شاب يبحث عن مستقبل أفضل إلى رحلة في أسئلة الهجرة والهوية والانتماء. فالعرض لا يكتفي بإضحاك الجمهور، بل يدفعه إلى التفكير في الصورة التي يرسمها عن الحياة خارج تونس، وفي الأسباب التي تدفع الشباب إلى المغادرة، وفي ما إذا كانت الهجرة حلاً فعلياً أم أنها أحياناً مجرد هروب من واقع يمكن تغييره.
في النهاية، تترك «Viza» جمهورها أمام سؤال لا تقدم له إجابة جاهزة: هل نحتاج فعلاً إلى مغادرة الوطن حتى نكتشف قيمته؟ وربما تكون الإجابة التي يقترحها العرض أبسط وأعمق في الوقت نفسه: أحياناً لا نعرف قيمة المكان إلا عندما نبتعد عنه.

