لم يعد المشهد السياسي الأمريكي يجمع إيلون ماسك والرئيس دونالد ترامب في الخندق نفسه بالصورة التي ظهرا بها عقب الانتخابات الرئاسية لعام 2024. فبعد تحالف وثيق جمع الملياردير التكنولوجي بالرئيس الجمهوري، وتحوّل ماسك إلى أحد أبرز داعميه الماليين، دخل الطرفان في مواجهة علنية كشفت عن خلافات تتجاوز المصالح الشخصية إلى قضايا الإنفاق العام، وإدارة الاقتصاد، وحدود النفوذ داخل السلطة الأمريكية.
لكن مسار الأحداث اللاحق أظهر أن ابتعاد ماسك عن ترامب لم يتحول إلى قطيعة نهائية مع المعسكر الجمهوري، بل اتخذ شكل إعادة تموضع سياسي تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع الحسابات الانتخابية.
قانون الإنفاق.. الشرارة التي فجّرت الخلاف
بلغ التوتر بين الرجلين ذروته في جوان وجويلية 2025، عندما عارض ماسك مشروع قانون الضرائب والإنفاق الذي تبناه ترامب، واعتبر أن التوسع في الإنفاق الفيدرالي سيزيد من عجز الميزانية والدين العام الأمريكي. وكان ماسك قد لعب دورًا بارزًا في دعم ترامب خلال انتخابات 2024، قبل أن يتولى مهمة قيادة جهود إدارة الكفاءة الحكومية، المعروفة اختصارًا باسم «DOGE»، والتي استهدفت تقليص الإنفاق الفيدرالي وإعادة هيكلة عدد من المؤسسات الحكومية. غير أن الخلاف حول مشروع القانون كشف تناقضًا بين توجهات الرجلين؛ فبينما دافع ترامب عن تشريعه باعتباره جزءًا من برنامجه الاقتصادي، رأى ماسك أن زيادة العجز تتعارض مع الوعود المتعلقة بخفض النفقات الحكومية. ولم يبق الخلاف في حدود النقاش الاقتصادي، بل تحول إلى مواجهة علنية عبر منصات التواصل الاجتماعي، تخللتها انتقادات متبادلة وتهديدات سياسية، في تطور أثار تساؤلات بشأن مستقبل التحالف الذي جمع بين أحد أقوى السياسيين الأمريكيين وأحد أبرز رجال الأعمال في العالم.
حزب «أمريكا».. محاولة لفتح جبهة سياسية جديدة
في 5 جويلية 2025، أعلن ماسك تأسيس حزب سياسي جديد أطلق عليه اسم «America Party»، بعد أن كان قد هدد بهذه الخطوة إذا أُقرّ قانون الإنفاق الذي عارضه. وبرّر الملياردير الأمريكي مبادرته بالحاجة إلى كسر هيمنة الحزبين الجمهوري والديمقراطي، مع التركيز على ضبط الإنفاق العام وتقليص العجز وتعزيز ما وصفه بحرية الأمريكيين. وكان الإعلان يحمل دلالات سياسية مهمة، إذ جاء من شخصية ساهمت بمبالغ ضخمة في تمويل حملة ترامب الانتخابية، وامتلكت في الوقت نفسه منصة «إكس» التي توفر لها قدرة واسعة على التأثير في النقاش العام. كما أثار المشروع احتمال تحوّل ماسك من ممول للسياسيين إلى فاعل يسعى إلى بناء إطار حزبي مستقل، قادر على التأثير في انتخابات الكونغرس، وربما تغيير موازين القوى داخل النظام السياسي الأمريكي. ومع ذلك، لم يتحول الإعلان إلى مشروع حزبي متكامل بالسرعة التي أوحت بها تصريحات ماسك. فقد ظهرت مؤشرات على تراجع خطط إطلاق الحزب خلال أوت 2025، وسط تقارير عن رغبته في التركيز مجددًا على شركاته، والصعوبات التي يواجهها أي حزب ثالث في منافسة الجمهوريين والديمقراطيين.
هل انتهى مشروع الحزب الجديد؟
تكشف التطورات اللاحقة أن إعلان حزب «أمريكا» لم يؤسس، وفق المعطيات المتاحة، مسارًا انتخابيًا مستقلًا ومستقرًا يوازي الحزبين التقليديين. فقد تراجع حضور المشروع، في حين عاد ماسك تدريجيًا إلى دعم مرشحين جمهوريين، بدل بناء بديل حزبي مستقل قادر على خوض الانتخابات بصورة واسعة. وهذا التحول لا يعني بالضرورة أن الملياردير تخلى عن كل طموحاته السياسية، لكنه يشير إلى أنه بات يعتمد بصورة أكبر على أدوات النفوذ التي يملكها بالفعل: الثروة، والتبرعات الانتخابية، وشبكة علاقاته، ومنصة «إكس».
وبحسب تقرير لوكالة رويترز نُشر في 12 أكتوبر 2026، أنفق ماسك نحو 366 مليون دولار لدعم الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي، بينها 276 مليون دولار منذ جويلية من العام نفسه، في مسعى لمساعدتهم على الاحتفاظ بالسيطرة على الكونغرس. وتشير هذه الأرقام إلى أن ماسك، رغم خلافه السابق مع ترامب وإعلانه مشروعًا حزبيًا منفصلًا، لم ينسحب من المعركة السياسية، بل عاد إلى الاستثمار المالي في دعم الجمهوريين، بما يعكس استمرار رهانه على التأثير في نتائج الانتخابات الأمريكية.
مصالح الشركات تفرض حساباتها
لا يمكن فصل التحولات السياسية لماسك عن مصالح شركاته الكبرى، وفي مقدمتها «تسلا» و«سبيس إكس»، اللتان تعملان في قطاعات تتأثر بالقرارات الحكومية والتنظيمية والعقود الفيدرالية. فالتوتر مع ترامب لم يكن مجرد خلاف بين شخصيتين نافذتين، بل حمل مخاطر اقتصادية محتملة بالنسبة إلى شركات ماسك، خاصة في ظل تهديدات الرئيس بإعادة النظر في الدعم والعقود الحكومية التي تستفيد منها مؤسسات مرتبطة بالملياردير. ومن جهة أخرى، فإن استمرار انخراط ماسك في السياسة يثير تساؤلات لدى المستثمرين بشأن مدى قدرته على التوفيق بين إدارة شركاته ومشاركته المكثفة في تمويل الحملات الانتخابية. وبذلك، يبدو أن حسابات النفوذ السياسي والاقتصادي أصبحت أكثر تعقيدًا من مجرد تحالف أو خلاف شخصي، إذ يتعين على ماسك الموازنة بين علاقاته داخل الحزب الجمهوري، ومصالحه التجارية، ورغبته في التأثير في السياسات العامة.
انتخابات 2026.. اختبار جديد لنفوذ ماسك
تمنح انتخابات التجديد النصفي الأمريكية لعام 2026 ماسك فرصة جديدة لاختبار قدرته على التأثير في موازين القوى داخل الكونغرس. فالدعم المالي الكبير الذي يقدمه للمرشحين الجمهوريين يمكن أن يعزز موقعه داخل المعسكر المحافظ، لكنه قد يتحول أيضًا إلى مصدر انتقادات من خصومه الذين يتهمونه بتوسيع نفوذ أصحاب الثروات الضخمة في العملية السياسية. وفي المقابل، لا تعني عودته إلى تمويل الجمهوريين أنه استعاد بالضرورة مستوى العلاقة الذي جمعه بترامب في بداية الولاية الرئاسية الثانية. فالتقارب في المصالح الانتخابية لا يمحو الخلافات السابقة، ولا يضمن استمرار التوافق بشأن الإنفاق الحكومي أو السياسات الاقتصادية. كما أن النظام الانتخابي الأمريكي، القائم عمليًا على المنافسة القوية بين حزبين، يفرض قيودًا كبيرة على فرص الأحزاب الجديدة، وهو ما يجعل التأثير من داخل المعسكر الجمهوري، أو عبر تمويل مرشحين محددين، خيارًا أكثر واقعية بالنسبة إلى ماسك من خوض مغامرة حزبية مستقلة واسعة النطاق.
من التحالف الشخصي إلى حسابات النفوذ
تكشف تجربة ماسك مع ترامب عن طبيعة العلاقة المعقدة بين الثروة والسياسة في الولايات المتحدة. فقد انتقل الملياردير من موقع الداعم الأساسي للرئيس إلى موقع المعارض لبعض أبرز خياراته، ثم أعلن تأسيس حزب جديد قبل أن يتراجع المشروع ويعود إلى دعم الجمهوريين. وبدل اعتبار هذه التحولات دليلًا قاطعًا على انفصال نهائي بين الرجلين، فإن الوقائع تشير إلى مسار أكثر تعقيدًا، تتقدم فيه المصالح الاقتصادية والانتخابية على الاعتبارات الشخصية. ويبقى السؤال الأساسي: هل سيكتفي ماسك بدور الممول القادر على التأثير في اختيار المرشحين وتوجيه النقاش العام، أم سيعود مستقبلًا إلى محاولة بناء قوة سياسية مستقلة. حتى الآن، توحي خطواته في عام 2026 بأن الرهان على التأثير داخل المعسكر الجمهوري لا يزال حاضرًا بقوة، فيما يبقى مستقبل علاقته بترامب مرتبطًا بمدى تقاطع مصالحهما في المرحلة المقبلة.