وتعني الحصة الواحدة عمليًا تقليص ساعات العمل بحوالي 20 بالمائة لمدة شهرين كاملين، وهو إجراء يتجدد سنويًا ويثير في كل صيف نقاشًا واسعًا حول مدى ملاءمته للواقع الحالي. ولفهم هذا النظام، لا بد من العودة إلى جذوره التاريخية. فقد صدر أول أمر ينظم الحصة الواحدة سنة 1921 خلال فترة الحماية الفرنسية، عندما كانت ظروف العمل داخل الإدارات تفتقر إلى وسائل التكييف، وكانت حرارة الصيف تمثل عائقًا حقيقيًا أمام أداء الموظفين، لذلك جاءت الفكرة في إطار حماية الأعوان من الإجهاد الحراري. وبعد الاستقلال، أبقى الرئيس الحبيب بورقيبة على هذا النظام، حيث اعتمده بداية خلال شهر رمضان قبل أن يتم توسيعه ليشمل فصل الصيف بأكمله، ثم وقع لاحقًا تقليص مدته إلى شهرين تقريبًا، وهو النظام الذي ما يزال معمولًا به إلى اليوم، رغم أن ظروف العمل تغيرت جذريًا خلال العقود الأخيرة، وأصبحت أغلب الإدارات والمؤسسات العمومية مجهزة بوسائل التكييف، في حين بقيت الحصة الواحدة على حالها تقريبًا دون مراجعة شاملة أو تقييم دوري لجدواها. غير أن الإشكال المطروح اليوم لا يتعلق بأداء الموظفين العموميين أو بمدى التزامهم، فهم يطبقون نظامًا قانونيًا نافذًا، وإنما يتعلق بمدى قدرة الإدارة نفسها على الاستجابة لحاجيات المواطنين والاقتصاد الوطني في فترة تعرف عادة أعلى مستويات النشاط الإداري. ففصل الصيف يمثل موسم عودة مئات الآلاف من التونسيين المقيمين بالخارج، الذين يقصدون الإدارات لاستخراج الوثائق وتجديدها وإنجاز مختلف المعاملات، كما يشهد ارتفاعًا في حركة الاستثمار والتصدير والسياحة، وهو ما يؤدي إلى زيادة الطلب على الخدمات العمومية في الوقت الذي تقلص فيه ساعات استقبال المواطنين، فتزداد طوابير الانتظار وتتأخر معالجة الملفات. وتتضاعف أهمية هذا النقاش إذا ما وضعنا في الاعتبار الوضعية الاقتصادية للمؤسسات العمومية. فالمعطيات الرسمية تشير إلى أن عشرات المؤسسات العمومية تعاني عجزًا ماليًا، بينما تواجه مؤسسات استراتيجية تحديات مالية كبرى تتطلب سرعة في اتخاذ القرار ورفع نسق العمل، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى انسجام تقليص ساعات العمل مع متطلبات المرحلة. ويزداد هذا الإشكال تعقيدًا بسبب بطء التحول الرقمي للإدارة التونسية، إذ لم يتم إلى حد الآن رقمنة سوى نحو 120 إجراءً إداريًا بشكل كامل من أصل أكثر من 3200 إجراء، أي أقل من أربعة بالمائة فقط.
ونتيجة لذلك، فإن أي تقليص في ساعات العمل لا تعوضه خدمات إلكترونية قادرة على استيعاب الطلب، بل ينعكس مباشرة على المواطن الذي يجد نفسه مضطرًا إلى الانتظار لفترات أطول من أجل إنجاز أبسط معاملاته. ومن هنا تظهر الكلفة الحقيقية لهذا النظام. فالمستثمر الذي ينتظر رخصة إدارية، أو المصدر الذي يحتاج إلى استكمال إجراءات ديوانية، أو التونسي المقيم بالخارج الذي يسابق الوقت لتجديد وثائقه قبل موعد عودته، جميعهم يصطدمون بالواقع نفسه: ساعات استقبال أقل، وإقبال أكبر، وخدمات رقمية لا تزال محدودة. وفي المقابل، اختارت دول أخرى تعيش ظروفًا مناخية أشد حرارة، وخاصة في منطقة الخليج العربي، تنظيم ساعات العمل بطريقة مستقرة على امتداد السنة، مع تطوير الخدمات الرقمية واعتماد نظام المناوبات داخل الإدارات التي تعرف ضغطًا مرتفعًا، بما يضمن استمرارية المرفق العام دون تقليص مستوى الخدمات. وانطلاقًا من هذه المعطيات، تبدو الحاجة ملحة إلى التفكير في إصلاحات عملية يمكن أن تحقق توازنًا بين راحة الموظف وجودة الخدمات. ويتمثل أولها في التسريع برقمنة أكثر 200 خدمة إدارية طلبًا من المواطنين والتونسيين بالخارج، بما يخفف الضغط على المكاتب خلال الصيف. أما الإجراء الثاني، فيتمثل في اعتماد نظام المناوبات داخل الإدارات الأكثر اكتظاظًا، مثل البلديات والديوانة والمصالح القنصلية، بما يسمح باستمرار الخدمات دون المساس بحقوق الأعوان. في حين يتمثل الإجراء الثالث في نشر مؤشرات سنوية دقيقة حول أثر الحصة الواحدة، من حيث مدة انتظار المواطنين وعدد الملفات المعالجة ومستوى رضا المتعاملين، حتى تستند أي مراجعة مستقبلية إلى بيانات موضوعية لا إلى الانطباعات. وفي نهاية المطاف، لا يتمثل السؤال الحقيقي في ما إذا كانت حرارة الصيف في تونس تستوجب تنظيمًا خاصًا لساعات العمل، فهذا أمر مفهوم، وإنما في ما إذا كانت الإدارة التونسية، وهي تواجه تحديات اقتصادية واستثمارية ورقمية متزايدة، قادرة على مواصلة العمل وفق نظام وُضع قبل أكثر من مائة عام، أم أن المرحلة الراهنة تستدعي مراجعة شجاعة تواكب متطلبات الدولة الحديثة، وتضمن في الآن ذاته حسن سير المرفق العام وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.