عاجل
إعلان RTN ACADEMY
مجتمع

الحصة الواحدة في تونس نظام عمره قرن

تقليص ساعات العمل في الادارة هل يخدم المرفق العمومي أم يرهقه؟
تقليص ساعات العمل في الادارة هل يخدم المرفق العمومي أم يرهقه؟

تقليص ساعات العمل في الادارة هل يخدم المرفق العمومي أم يرهقه؟

ابتداءً من غرة جويلية، تدخل الإدارات التونسية في نظام الحصة الواحدة الذي يعود إلى سنة 1921، رغم تغير ظروف العمل وتطور وسائل التكييف. ويطرح هذا النظام تساؤلات حول مدى ملاءمته لواقع اقتصادي وإداري يتطلب سرعة في الإنجاز، خاصة مع بطء رقمنة الخدمات وارتفاع الطلب خلال فصل الصيف. ويستعرض المقال خلفية هذا الإجراء، وتحدياته الحالية، ويقترح حلولًا عملية، من بينها تسريع الرقمنة، واعتماد نظام المناوبات، وتقييم أثر الحصة الواحدة استنادًا إلى مؤشرات موضوعية.
كتب : نذير عزوز / تونس - المساء
⏱ 1 دقائق للقراءة 📊 إحصائيات
ابتداءً من الأول من جويلية من كل عام، تدخل الإدارة التونسية في نظام "الحصة الواحدة"، الذي يمتد إلى غاية 31 أوت، حيث تفتح الإدارات العمومية والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية أبوابها من الساعة الثامنة صباحًا إلى الثانية والنصف بعد الزوال من الإثنين إلى الخميس، وإلى الواحدة والنصف بعد الزوال يوم الجمعة، أي بمعدل ست ساعات ونصف من العمل يوميًا بدل ثماني ساعات خلال بقية أشهر السنة.

وتعني الحصة الواحدة عمليًا تقليص ساعات العمل بحوالي 20 بالمائة لمدة شهرين كاملين، وهو إجراء يتجدد سنويًا ويثير في كل صيف نقاشًا واسعًا حول مدى ملاءمته للواقع الحالي. ولفهم هذا النظام، لا بد من العودة إلى جذوره التاريخية. فقد صدر أول أمر ينظم الحصة الواحدة سنة 1921 خلال فترة الحماية الفرنسية، عندما كانت ظروف العمل داخل الإدارات تفتقر إلى وسائل التكييف، وكانت حرارة الصيف تمثل عائقًا حقيقيًا أمام أداء الموظفين، لذلك جاءت الفكرة في إطار حماية الأعوان من الإجهاد الحراري. وبعد الاستقلال، أبقى الرئيس الحبيب بورقيبة على هذا النظام، حيث اعتمده بداية خلال شهر رمضان قبل أن يتم توسيعه ليشمل فصل الصيف بأكمله، ثم وقع لاحقًا تقليص مدته إلى شهرين تقريبًا، وهو النظام الذي ما يزال معمولًا به إلى اليوم، رغم أن ظروف العمل تغيرت جذريًا خلال العقود الأخيرة، وأصبحت أغلب الإدارات والمؤسسات العمومية مجهزة بوسائل التكييف، في حين بقيت الحصة الواحدة على حالها تقريبًا دون مراجعة شاملة أو تقييم دوري لجدواها. غير أن الإشكال المطروح اليوم لا يتعلق بأداء الموظفين العموميين أو بمدى التزامهم، فهم يطبقون نظامًا قانونيًا نافذًا، وإنما يتعلق بمدى قدرة الإدارة نفسها على الاستجابة لحاجيات المواطنين والاقتصاد الوطني في فترة تعرف عادة أعلى مستويات النشاط الإداري. ففصل الصيف يمثل موسم عودة مئات الآلاف من التونسيين المقيمين بالخارج، الذين يقصدون الإدارات لاستخراج الوثائق وتجديدها وإنجاز مختلف المعاملات، كما يشهد ارتفاعًا في حركة الاستثمار والتصدير والسياحة، وهو ما يؤدي إلى زيادة الطلب على الخدمات العمومية في الوقت الذي تقلص فيه ساعات استقبال المواطنين، فتزداد طوابير الانتظار وتتأخر معالجة الملفات. وتتضاعف أهمية هذا النقاش إذا ما وضعنا في الاعتبار الوضعية الاقتصادية للمؤسسات العمومية. فالمعطيات الرسمية تشير إلى أن عشرات المؤسسات العمومية تعاني عجزًا ماليًا، بينما تواجه مؤسسات استراتيجية تحديات مالية كبرى تتطلب سرعة في اتخاذ القرار ورفع نسق العمل، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى انسجام تقليص ساعات العمل مع متطلبات المرحلة. ويزداد هذا الإشكال تعقيدًا بسبب بطء التحول الرقمي للإدارة التونسية، إذ لم يتم إلى حد الآن رقمنة سوى نحو 120 إجراءً إداريًا بشكل كامل من أصل أكثر من 3200 إجراء، أي أقل من أربعة بالمائة فقط.

إعلان gif agro
ترشيد الكهرباء يشعل غضب أصحاب قاعات الأفراح
إقرأ كذلك
ترشيد الكهرباء يشعل غضب أصحاب قاعات الأفراح
نشر يوم 2026-03-28

ونتيجة لذلك، فإن أي تقليص في ساعات العمل لا تعوضه خدمات إلكترونية قادرة على استيعاب الطلب، بل ينعكس مباشرة على المواطن الذي يجد نفسه مضطرًا إلى الانتظار لفترات أطول من أجل إنجاز أبسط معاملاته. ومن هنا تظهر الكلفة الحقيقية لهذا النظام. فالمستثمر الذي ينتظر رخصة إدارية، أو المصدر الذي يحتاج إلى استكمال إجراءات ديوانية، أو التونسي المقيم بالخارج الذي يسابق الوقت لتجديد وثائقه قبل موعد عودته، جميعهم يصطدمون بالواقع نفسه: ساعات استقبال أقل، وإقبال أكبر، وخدمات رقمية لا تزال محدودة. وفي المقابل، اختارت دول أخرى تعيش ظروفًا مناخية أشد حرارة، وخاصة في منطقة الخليج العربي، تنظيم ساعات العمل بطريقة مستقرة على امتداد السنة، مع تطوير الخدمات الرقمية واعتماد نظام المناوبات داخل الإدارات التي تعرف ضغطًا مرتفعًا، بما يضمن استمرارية المرفق العام دون تقليص مستوى الخدمات. وانطلاقًا من هذه المعطيات، تبدو الحاجة ملحة إلى التفكير في إصلاحات عملية يمكن أن تحقق توازنًا بين راحة الموظف وجودة الخدمات. ويتمثل أولها في التسريع برقمنة أكثر 200 خدمة إدارية طلبًا من المواطنين والتونسيين بالخارج، بما يخفف الضغط على المكاتب خلال الصيف. أما الإجراء الثاني، فيتمثل في اعتماد نظام المناوبات داخل الإدارات الأكثر اكتظاظًا، مثل البلديات والديوانة والمصالح القنصلية، بما يسمح باستمرار الخدمات دون المساس بحقوق الأعوان. في حين يتمثل الإجراء الثالث في نشر مؤشرات سنوية دقيقة حول أثر الحصة الواحدة، من حيث مدة انتظار المواطنين وعدد الملفات المعالجة ومستوى رضا المتعاملين، حتى تستند أي مراجعة مستقبلية إلى بيانات موضوعية لا إلى الانطباعات. وفي نهاية المطاف، لا يتمثل السؤال الحقيقي في ما إذا كانت حرارة الصيف في تونس تستوجب تنظيمًا خاصًا لساعات العمل، فهذا أمر مفهوم، وإنما في ما إذا كانت الإدارة التونسية، وهي تواجه تحديات اقتصادية واستثمارية ورقمية متزايدة، قادرة على مواصلة العمل وفق نظام وُضع قبل أكثر من مائة عام، أم أن المرحلة الراهنة تستدعي مراجعة شجاعة تواكب متطلبات الدولة الحديثة، وتضمن في الآن ذاته حسن سير المرفق العام وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

إعلان gif agro
ثلاثة شركات عملاقة تطلق نداء فوري للشعب الفرنسي
إقرأ كذلك
ثلاثة شركات عملاقة تطلق نداء فوري للشعب الفرنسي
نشر يوم 2022-06-26

أضف تعليق






اقرأ أيضا

الساحر التونسي رفيق زيتوني يواصل حصد النجاحات في منصات العالم

في سريلانكا أو في توزر أوالوسلاتية رفيق زيتوني دائما يصنع الحدث

يواصل الساحر التونسي رفيق زيتوني تأكيد حضوره المتميز في عالم فن الخفة والإبهار، ...

إقرأ المزيد
كريم الغربي في مسرح الزهراء، ضحك وأسئلة موجعة

كريم الغربي في الزهراء: حين تقود الغربة إلى اكتشاف قيمة تونس

عاش جمهور مهرجان الزهراء، ليلة 13 أوت، سهرة استثنائية مع الفنان كريم الغربي ومسر...

إقرأ المزيد
مصر: أسلاك ضغط عالي فوق المنازل، استغاثة أهالي نجع الشيخ مصر: خطر الكهرباء يهدد أطفال نجع الشيخ

مصر: خطر الكهرباء يهدد أطفال نجع الشيخ

وجّه أهالي نجع الشيخ نور الدين بنجع حمادي بمحافظة قنا المصرية استغاثة عاجلة إلى ...

إقرأ المزيد
مهرجان قرطاج: ليلة الختام بنكهة الجميل

عسلامة ماجدة، قرطاج يفتح أبواب الذاكرة في ليلة الختام

ماجدة الرومي ليست اسماً يحتاج إلى تقديم، بل اسمٌ نبحث له عن كلمات ليست كالكلمات،...

إقرأ المزيد
عندما يتحول الجهاز المناعة إلى عدو

لماذا ترتفع أمراض المناعة الذاتية في هذا الوقت؟

تتزايد المخاوف من انتشار أمراض المناعة الذاتية، وهي مجموعة من الاضطرابات التي يف...

إقرأ المزيد
صادق حلواس يتحدث عن مشاريعه القادمة

حوار مع صادق حلواس: ولد الطلياني حقق نجاحًا كبيرًا

على هامش مشاركة مسرحية «ولد الطلياني»، بطولة سفيان الداهش ولبنى السديري ونوردين ...

إقرأ المزيد
نبيهة كراولي تعيد نفسها في مهرجان قرطاج

نبيهة كراولي في امتحان الركح

ذهبتُ إلى سهرة نبيهة كراولي في قرطاج، وكنتُ أنتظر تلك اللحظة التي تتصالح فيها ال...

إقرأ المزيد
مؤثرة مغربية تحت الرقابة الرقمية

المغرب: المؤثرة سكينة غلامور أمام التحقيق بتهمةمخالفة الآداب العامة

أوقفت السلطات المغربية المؤثرة الرقمية سكينة جناح، المعروفة على منصات التواصل ال...

إقرأ المزيد
أزمة نفسية على متن حاملة طائرات أبراهام لينكولن

عائلات المارينز تواجه البحرية الأمريكية وتحذر من نقطة الانهيار

كشفت تقارير إعلامية أمريكية وفرنسية عن تصاعد المخاوف بشأن الأوضاع النفسية والمعي...

إقرأ المزيد
مأساة في مول أرابيلا بالقاهرة 3 أرواح تسقط

مصر: حريق مروع داخل مول أرابيلا بالقاهرة، 3 وفيات

شهد مول أرابيلا بمنطقة التجمع في القاهرة، منذ قليل، حادثًا مأساويًا إثر اندلاع ح...

إقرأ المزيد