وتندرج هذه الاتفاقية في إطار توجه مشترك يهدف إلى دعم التكوين المهني كرافعة أساسية للتشغيل، خاصة لفائدة الشباب التونسي، في ظل التحولات الاقتصادية التي تشهدها الضفة الشمالية للمتوسط والحاجة المتزايدة لليد العاملة المؤهلة. يمثل التكوين المهني أحد أبرز محاور الشراكة بين تونس وإيطاليا، حيث تسعى هذه المبادرة إلى ملاءمة مهارات الشباب التونسي مع متطلبات سوق الشغل الإيطالية، بما يضمن فرص إدماج مهني حقيقية ومستدامة. وفي هذا السياق، يُتوقّع أن تشمل برامج التعاون تطوير مسارات تكوين متخصصة، تتماشى مع حاجيات القطاعات الحيوية في إيطاليا، على غرار الصناعة، والبناء، والفلاحة، والخدمات، وهي مجالات تشهد نقصًا ملحوظًا في اليد العاملة. كما يمكن أن تتضمن هذه البرامج دورات تكوين تقني ولغوي، خاصة في اللغة الإيطالية، إلى جانب تأهيل مهني يراعي المعايير الأوروبية، مما يعزّز من حظوظ الشباب التونسي في الاندماج بسلاسة في سوق العمل بالخارج. تأتي هذه الاتفاقية في سياق اقتصادي يتسم بتكامل واضح بين البلدين: فمن جهة، تواجه إيطاليا تحديات ديمغرافية ونقصًا في الموارد البشرية في عدة قطاعات إنتاجية، ومن جهة أخرى، تمتلك تونس طاقات شابة وكفاءات تبحث عن فرص عمل تتلاءم مع مؤهلاتها. وبذلك، تمثل هذه الشراكة نموذجًا للتعاون “الرابح-الرابح”، حيث تستفيد المؤسسات الإيطالية من كفاءات مدرّبة، في حين يحظى الشباب التونسي بفرص تشغيل قانونية ومنظمة، تضمن له مسارًا مهنيًا واضحًا وآفاقًا أوسع.
تكتسي هذه المبادرة أهمية خاصة في إطار دعم مسارات الهجرة النظامية، حيث تتيح بدائل واقعية للهجرة غير النظامية، من خلال توفير قنوات قانونية ومؤطرة للاندماج في سوق العمل الأوروبي. ومن المنتظر أن تساهم هذه الاتفاقية في تعزيز آليات المرافقة قبل السفر، سواء على المستوى المهني أو الثقافي، بما يسهّل عملية التأقلم ويزيد من فرص النجاح والاستقرار في بيئة العمل الجديدة. إلى جانب بعدها الاجتماعي، تحمل هذه الاتفاقية انعكاسات اقتصادية إيجابية على تونس، من خلال: المساهمة في تقليص نسب البطالة، خاصة في صفوف الشباب ودعم موارد العملة الصعبة عبر تحويلات التونسيين بالخارج وتطوير منظومة التكوين المهني ورفع جودتها لتستجيب للمعايير الدولية. كما من شأن هذا التعاون أن يعزّز جاذبية التكوين المهني كخيار استراتيجي، بعد أن ظل لسنوات يُنظر إليه كمسار ثانوي مقارنة بالتعليم الأكاديمي. تعكس هذه الاتفاقية إرادة مشتركة لتعميق التعاون بين تونس وإيطاليا في مجالات ذات قيمة مضافة عالية، على غرار تنمية الموارد البشرية وربط التكوين بالتشغيل. وفي ظل التحديات الاقتصادية العالمية، يبدو أن الاستثمار في الكفاءات البشرية يمثل أحد أهم مفاتيح التنمية، وهو ما تسعى هذه الشراكة إلى تجسيده على أرض الواقع، عبر خلق جسور حقيقية بين التكوين وسوق العمل، وبين الضفتين الجنوبية والشمالية للمتوسط.